كالعادة، انقسم الناس مع وفاة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، الذي يُنسب إليه التيار المدخلي، ما بين مترحمين حزانى على وفاة الرجل الذي يصفه أصحابه وأتباعه بعالم الحديث، ناعتين له بكل صفات العلماء الأجلاء، معتبرين وفاته «ثلمة» و«فاجعة» للأمة الإسلامية، وما بين قائلين «مستراح منه» باعتباره رأس فتنة، وصاحب بدعة!
والذي يكفينا في ذلك أن نقول: «اللهم ارحم أموات المسلمين»، ثم نبين للناس أن طريق المدخلية، ليس هو طريق ضلالة فكرية وعقدية وحديثية فحسب، بل هو كذلك طريق عمالة، وطابور خامس لا يجوز لمسلم أن يشاطر أصحابه أفكارهم أو يسير معهم في الطريق ذاته، فإنه لا يعنينا الأشخاص، وقد أفضوا إلى ما قدموا، وصاروا في البرزخ يحصدون بأيديهم من شرٍّ أو خير، وإنما الذي نلتفت إليه هو المنهاج الذي اختطه هؤلاء أو ساروا عليه.
فما المدخلي إلا حلقة في سلسلة، بدأت من فكرة ضالة تشرعن الصمت على ظلم الحكام، وانتهت إلى أداة ليس بأيدي هؤلاء الحكام بل بـ«الولاة الكبار»، نعني الولايات المتحدة الأمريكية و«إسرائيل»!
وقد كنا لنناقش الفكرة في سياقها الشرعي، لو كانت مجرد انحراف يمكن قبوله في السعودية التي أقيمت علنًا على أساس ديني، ولطالما أعلن حكامها السابقون ولاءهم المطلق للإسلام، ولو ناقضت كثير من أفعالهم أقوالهم تلك!
ولربما التمسنا العذر لطائفة انحرفت عن فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ظنًّا منها أن الظرف هو هو لم يتغير، كمثل أولئك الذين يرددون مقولة ابن حنبل رحمه الله: «قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز» ظنًا منهم أنها ككتاب الله – حاشا – صالحة لكل زمان ومكان، وكأولئك الذين يستشهدون بأقوال الشيخ ابن عثيمين في المدخلي وأشباهه ظنًّا منهم أن الشيخ لو كان حيًّا ليومنا هذا لوافق المداخلة على عمالتهم الفاقعة التي لم تكن قد ظهرت هكذا بادي الأمر!
فما المدخلي إلا حلقة في سلسلة، بدأت من فكرة ضالة تشرعن الصمت على ظلم الحكام، وانتهت إلى أداة ليس بأيدي هؤلاء الحكام بل بـ«الولاة الكبار»، نعني الولايات المتحدة الأمريكية و«إسرائيل»!
تسطيح المدخلية:
الذين يسوقون الفكرة المدخلية الحالية في سبيل ديني يرتكبون حماقة مُركّبة، فلا هم يفقهون دينًا ولا يدركون سياسة، إذ لو كانوا يفقهون شيئًا من دينهم لعلموا أن للنظائر حكمًا واحدًا، فإذا كان حكام الخليج ولاة أمر، وغيرهم ولاة ومتغلبين؛ فإن مرسي وأردوغان والسراج والدبيبة والبشير والبرهان والشرع وهبة الله آخند زاده وبشير فاي وغيرهم كذلك ولاة أمر كانوا يجب عليهم أن يسمعوا لهم ويطيعوا لا أن يقفوا في صف الانقلابيين والمتمردين والخوارج ضدهم!
ولو كانوا يفهمون بالسياسة لعلموا أن كثيرًا ممن يسمعون لهم ويطيعون، ليسوا سوى أدوات في أيدي اليهودي والنصراني ممن لا ينطبق عليهم مسمى ولاة الأمر ولا الحكام المتغلبين (المسلمين)، وعليه؛ فإنهم يقفون دائمًا في صف أعداء الله!
وإذا كان الهجوم على أردوغان يمهد الطريق لحزب الشعب الجمهوري العلماني المتطرف، والهجوم على حمـ.ـاس في ساعة العسرة والأزمة لا يصب إلا في مصلحة «إسرائيل»، وهكذا؛ فإنهم إما جهلة بالسياسة وحساباتها، وبالفقه وأصوله، وبالعقيدة وأركانها، وإما أنهم محض عملاء أقحاح!
وإذا اصطفوا مع الشيوعيين في اليمن، ورافضي الشرع والشريعة واللغة العربية وإسلامية السودان من شيوعيي صمود وأعوان الشيوعي حمدوك، والانقلابي الذي يستضيف قوات وقواعد الروس وينهب خيرات ليبيا، حفتر، ومع النصيري كليشيدار من قبل، فكيف ننعتهم بالسذاجة ونخلع عنهم رداء العمالة الصريح؟!
ولو كانوا يفهمون بالسياسة لعلموا أن كثيرًا ممن يسمعون لهم ويطيعون، ليسوا سوى أدوات في أيدي اليهودي والنصراني ممن لا ينطبق عليهم مسمى ولاة الأمر ولا الحكام المتغلبين (المسلمين)، وعليه؛ فإنهم يقفون دائمًا في صف أعداء الله!
بل، كيف نجد نغمة تطبيلهم في السعودية ترتفع وترتفع كلما زاد الفجور والخلاعة وتحدي الله فوق المسارح ومد يد العون لنتنياهو والقبول بالتطبيع معه والتمهيد لذلك عبر جيش من المتصهينين الأعلى صوتًا اليوم في السعودية؟!
ليرثي المداخلة رمزهم كيفما يشاؤون وليدبجوا فيه الأشعار ويطنطنوا ما شاؤوا أن يطنطنوا، لكن تشغيبهم هذا، وتهويماتهم هذه لن تنطلي إلا على السذج، ولن يخيل على مسلم دورهم الخبيث في إعانة كل محتل وكل طاغية وكل ظالم، ليبكوا ما شاءوا، لكن ليتذكروا أن دعوات المظلومين تلعن كل ظالم، بل كل مطية لظالم!