لم يحتفِ بمقال رئيس الاستخبارات السعودي الأسبق الأمير تركي الفيصل أنصاره وحدهم، فعدد من المعارضين أو المحايدين أعجبوا بجرأة المقال الذي نُشر في ٢٦ يونيو الماضي على موقع ذا ناشيونال الإماراتي، وكثير من وسائل الإعلام صدّرت عناوين تغطيتها للمقال بعبارة رجل الاستخبارات المخضرم: «لو كنا في عالم يسوده العدل لرأينا قنابل قاذفات “بي-٢” الأمريكية تمطر ديمونة النووي الإسرائيلي ومواقع أخرى بدلًا من إيران»!
المقال زاخر بالرسائل:
«إسرائيل في نهاية المطاف، تمتلك قنابل نووية، خلافًا لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. علاوة على ذلك، لم تنضم إسرائيل إلى تلك المعاهدة وظلت خارج نطاق سلطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولم يقم أحد بتفتيش المنشآت النووية الإسرائيلية»!
«من يبررون الهجوم الإسرائيلي الأحادي على إيران بالإشارة إلى تصريحات القادة الإيرانيين الداعية إلى زوال إسرائيل، يتجاهلون تصريحات بنيامين نتنياهو منذ توليه رئاسة الوزراء عام 1996، الداعية إلى تدمير الحكومة الإيرانية».
«من المتوقع أن يُبدي الغرب دعمًا منافقًا لهجوم إسرائيل على إيران… ففي نهاية المطاف لا يزال دعمهم للهجوم الإسرائيلي على فلسطين مستمرًّا، وإن كانت بعض الدول قد تَراجع دعمُها مؤخرًا».
«معاقبة الغرب لروسيا على عمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا يتناقض تناقضًا صارخًا مع ما يسمح به لإسرائيل. فالنظام الدولي القائم على القواعد والذي طالما روج له الغرب وأعلنه، في حالة من الفوضى».
«ما يثير الاستياء في قادة الغرب هو استمرارهم في ترديد مقولات مبتذلة حول معتقداتهم المزعومة، ولحسن الحظ وخاصة فيما يتعلق بنضال الشعب الفلسطيني من أجل الاستقلال من الاحتلال الإسرائيلي، رفض عدد كبير من عامة الناس في الغرب مواقف قادتهم الزائفة ويواصل الناس من جميع الأديان والألوان والأعمار إظهار دعمهم لاستقلال فلسطين ومن هنا يأتي التحول المتزايد في مواقف قادتهم، وهذا تطور محمود».
«على عكس غيره من القادة الغربيين، ينبغي على السيد ترامب ألا يتبع معايير مزدوجة وعليه أن يستمع إلى أصدقائه في السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي فهم على عكس نتنياهو يسعون إلى السلام مثل ترامب وليسوا دعاة حرب. مع ذلك، لا أستطيع فعل شيء حيال ازدواجية المعايير، والإبادة الجماعية التي يرتكبها نتنياهو… ما سأفعله هو أن أحذو حذو والدي الراحل الملك فيصل عندما نكث الرئيس الأمريكي آنذاك هاري ترومان بوعود سلفه فرانكلين دي روزفلت وساهم في نشأة إسرائيل… امتنع والدي عن زيارة الولايات المتحدة حتى غادر ترومان منصبه… وسأمتنع أنا عن زيارة الولايات المتحدة حتى يغادر ترامب منصبه».
ورسائل الفيصل قد حلقت بنا في السماء ثم هوت بنا لأسفل الأرض، فلا معنى لامتناعه عن زيارة الولايات المتحدة فهو ليس ملكًا كأبيه، ولا حتى مسؤولًا رسميًّا ليمثل هجره لأمريكا ضغطًا عليها، علمًا بأن مقاطعة أبيه لزيارة أمريكا لم تَحُل دون استمرار واشنطن في سياستها الظالمة في منطقتنا ولم تسفر عن أي تغيير في سياستها!
وقد كان الأولى بـ«ثعلب الاستخبارات السعودية» أن يتوجه إلى بلاده ناصحًا، مكملًا مقاله بشكل مختلف. لكن لأن الفيصل لا يقدح من رأسه، فما يقوله ينم عن رغبة للقصر في بعث رسائل للأمريكيين، وللشعب السعودي أيضًا. فالقيادة السعودية على إدراك تام بما يتهامس به السعوديون في خلواتهم واستراحاتهم بعد أن عرّت الحرب «الإسرائيلية الأمريكية/ الإيرانية» موقف دولتهم الهزيل بعد أن حاولت الرياض كثيرًا إظهار نفسها كند لإيران، قوة وبأسًا؛ فأتت الحرب كاشفة لهشاشة وضعها العسكري قياسًا بإيران، وأظهرت الخليج كله كقواعد متقدمة للولايات المتحدة الأمريكية، من يرد أن تطول يده أمريكا فلا عليه سوى استهداف حامياتها في الخليج العاجز عن حماية نفسه من جار يملك برنامجه النووي وترسانته الصاروخية المتنوعة وغذاءه وأهم من ذلك برمته، قراره السياسي وإرادته الوطنية.
قصرت يد الرياض أن تلوح لواشنطن بإشارات الغضب، فأوعزت لمسؤول سابق بالحديث نيابة عنها لكيلا لا تتحمل مسؤولية «شطحاته المحسوبة»!، فعندما سمحت واشنطن لطهران بتفريغ شحنة انتقامها لم تجد مكانًا مناسبًا لذلك غير الدول الخليجية التي تقع تحت حمايتها، قائلة للإيرانيين: نعم نعم، اقصفوا هنا!
انطلق المواطنون القطريون مذعورين سراعًا في الطرقات يصرخون، بينما كان الجنود الأمريكيون يحتشدون في ردهات الفنادق القطرية، فقد جاءتهم التعليمات: اقضوا ليلة هادئة في تلك الفنادق الفاخرة، واخلوا القاعدة، وتأكدوا، لن يصيبكم مكروه!
الرسائل وصلت للقصور، نحن نوفر الحماية لجنودنا وليس لدولكم. شعر الحكام بالقلق، والمواطنون بالخزي. تبعثرت الأوراق، حيث الصورة مقفرة كصحراء الربع الخالي، لا أمن مع السلم، لا أمن مع الحرب. معنى السلم خضوعًا لإيران مستقبلًا، معنى الحرب مزيد من الذل للأمريكيين و«الإسرائيليين»، والأنكى أن ما تسرب للعواصم الخليجية، ويبوح به الفيصل أن ترتيبًا جديدًا للمنطقة يُعد بطريقة مزعجة، ليس لهم في تخطيطها من نصيب ولا مشورة!
ولو أُبيح للفيصل أن ينهي مقاله بغير خاتمته الهشة هذه، فأقل ما كان سيؤكد عليه هو أن دولتنا الكبيرة يجب ألا تواصل طريقها كنعجة بين هاتيك الذئاب، فلا جزية تُدفع عن يد ونحن صاغرون، ولا طاعة لأوامر تغيير المناهج التعليمية، ولا حصارًا مبطنًا للمساجد والدعوة الإسلامية وأصحابها ودعاتها، ولا مجونًا وفسادًا خصوصًا في ساعة العسرة والامتحان، ولا فرقة بين أبناء الشعب، ولا حظرًا على تنوع السلاح واستقلال القرار الوطني.. إلخ.
أوهمنا الفيصل وهو يعلو بالنغمة سُلَّمًا سُلَّمًا أنه سينهي مقطوعته بصرخة، فإذا به يختمها بهمسة عتاب عاشقة!