مما توقفت عنده في السيرة، أن بلالاً رضي الله عنه لما أصابتهم حمى المدينة، كان ربما غلبته الحمى حتى هذى، وكان على ما صح في الخبر: إذا أقلع عنه الحمى رفع عقيرته، فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتَنَّ ليلة بوادٍ وحولــــــــــــي إذْخِر وجليـــــــل
وهل أردن يومًا مياه مَجَنَّـــــــة وهل يبدون لي شَامة وطَفِيلُ
وشامة وطَفِيل- بفتح الطاء وكسر الفاء-: جبلان بنواحي مكة، يقرنان كثيرًا، وفي موضعهما خلاف؛ قيل: على بعد نحو ثلاثين ميلًا، وقيل: بل بريد؛ اثنا عشر ميلًا، مشرفان على مياه مجنة، وقيل: جنوب شرقي جدة، وقيل: جنوب غربي مكة، ويوجد اليوم جنوب مكة مركز طفيل وقريب منه جبل يقال له شامة، من بحث في الخرائط الحديثة وجدهما، لكن هل هما هما، أو غيرهما عنى؟ الله أعلم على الخلاف المتقدم.
وأما مياه مَجَنَّة فقيل: عند عكاظ، وقيل: بمر الظهران، وقيل غير ذلك.
أما الجليل فهو الثُّمام، والإذخر معروف، وبعضهم يسميه بعشبة الليمون، وهو من النجيليات، والمهم كلها من نباتات مكة! وتلك من مرتفعاتها وأعلامها.
وقد خطر لي وأنا أقرأ أن قريبًا من تلك المعالم الطائف ببساتينها، وهوائها ومائها، والتي تعود أهل المكة عند اشتداد الحر التَّنَفُّس والتنزه جهتها، ومع ذلك ما حن رضي الله عنه إلى عنبِ الطائف ولا رمانه ولا هوائه، بل إلى معالم تبدو فتشعره قرب مكة ودنوها!
وكان بلال يقول كما نقل أهل السير، بل هو عند الإمام أحمد [24532] بسند جيد كان يقول: اللهم العن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، كما أخرجونا من مكة!
الذي استوقفني في ذلك تَعَلُّق بلال رضي الله عنه وهو الحبشي أصلًا بتلك البلاد وأعلامها!
ولم أعجب من ذلك الاستحقاق العالي، فهو رضي الله عنه أهله، وما كان أهل الجاهلية يعرفون جاهلية هذه القرون، فيفصلون عن أرضٍ من نبت وأَوْرَقَ وأزهَرَ وأثمَر فيها! بل الشأن عندهم في الاستحقاق شأن ما يجري اليوم في الشرق والغرب، ثم شَذَّت عنه بلداننا!
ولكن الذي استوقفني وقع الاغتراب المُر، وكيف يكون أثره على نفوسٍ وُلد آباؤها وأجدادها في تلك البلاد، ثم كانت مراتع صباهم، وذكريات طفولتهم، ومحل مآرب قضوها في شرخ الشباب!
ولله ما أعسر أن يغرّب المرء عن وطنه، لأجل وطنه، ويُنفى اختيارًا أو إجبارًا الطَّيِّب البار بوطنه! ويستورد بالملاين والأموال ضده!
والتغريب في الشرع عقوبة شرعت في واحدة من الكبائر العظام!
واليوم يغرّب المصلح العفيف، ويُسْتجلب المفسد الداعر، بل يؤتى ببعض هؤلاء ليقيموا حفلات مجون، وعروض فسوق!
إن أعظم كيد للأوطان، وتدمير لها أن يُدَّمر بنوها بأيدي بنيها! ثم ينفى الحادب المصلح، ويسجن الداعية الصادع بالحق، والعالم الآمر بالعرف، ثم يستجلب مكانهم من يأتي على أهواء المفسدين، من لاعبين، ومصارعين، وممثلين، ومغنين وراقصات!
إن من أهل الأوطان من يفسدون في الأوطان باسم الأوطان، ألم يقل الحق عزَّ وجلَّ:﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [سورة النمل، الآية: 48]، قال عزَّ وجلَّ مبينًّا العاقبة: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة النمل، الآيات: 50-53].
وهل جنى على عاد وثمود وقوم فرعون ونمروذ ولوط إلَّا مواطنون متنفذون، وكبراء اتخذوهم رؤساء؟!
والعجيب جميعهم توعد المصلحين بالنفي والإبعاد:
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ [سورة الأعراف، آية: 88].
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ(١٣)وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾[سورة إبراهيم، آية: 13-14].
وهو ما دبره مشركو مكة لمحمد صلى الله عليه وسلم نفسه! ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [سورة الأنفال، آية: 30].
إن أعظم كيد للأوطان، وتدمير لها أن يُدَّمر بنوها بأيدي بنيها! ثم ينفى الحادب المصلح، ويسجن الداعية الصادع بالحق، والعالم الآمر بالعرف، ثم يستجلب مكانهم من يأتي على أهواء المفسدين، من لاعبين، ومصارعين، وممثلين، ومغنين وراقصات!
خياراتهم القديمة هي نفسها خيارات المجرمين المتنفذين المعاصرة: قتل بتهم وذرائع شتى، تتبعها بيانات هزيلة تتضمن تهمًا واسعة! وسجن بذرائع أوهى وأضعف، فالسجن مصير من لم يجدوا مسوغًا للقتل يلبسون به، أو الإخراج وهو على أخف هذه الثلاثة، ولأجل ذلك يتمناه مستضعفون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [سورة النساء، آية: 75]، ولكن حسبك من شره قرنه بالسجن والتقتيل.
بيد أن الخروج والإخراج كالهجرة والتهجير دون الأولين كثيرًا ما يعود سبب صلاح وتمكين، إذا صلحت نيّة من أُخرج، واجتهد في الإصلاح والدعوة، فهذا عزاؤه، هجرة يُكتب أجرها، وإعداد لعودة قد يأذن الله بها، ومن مات في سبيل ذلك فقد وقع أجره على الله ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [سورة آل عمران، آية: 195].
والمهم أن يكون الخروج لهدف، وأن تتضافر الجهود للإصلاح، فإن حصل ذلك غدا التهجير مغنمًا، والإبعاد عبادة، وما أصاب المسلم في سبيل الإصلاح، فأجر وخير ما صلحت النيات: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾ [سورة التوبة، آية: 120].
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [سورة النساء، آية: 100]
خياراتهم القديمة هي نفسها خيارات المجرمين المتنفذين المعاصرة: قتل بتهم وذرائع شتى، تتبعها بيانات هزيلة تتضمن تهمًا واسعة! وسجن بذرائع أوهى وأضعف، فالسجن مصير من لم يجدوا مسوغًا للقتل يلبسون به، أو الإخراج وهو على أخف هذه الثلاثة، ولأجل ذلك يتمناه مستضعفون
والمهم ألا تشغلنا الدنيا.
وأن نكون مباركين حيثما كنا، فهنا تعود العقوبة نعمة، على ما قال الإمام شيخ الإسلام: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة! وذلك في ذات الإله طاعة وعبادة.
فرج الله عن الأُسَراء، ورد بلطفه غربة الغرباء، وانتصر ممن فرق بين الأقرباء، وقعد بكل صراط يوعد ويصد من دعا إلى سبيل الله، اللهم من بغى وطغى في البلاد، وأكثر فيها الفساد، فصبَّ عليه سوط عذاب، وكن له بالمرصاد، آمين.