﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾[النساء: 148].
قال كثير من أهل العلم: هذه الآية عامة في كل مظلوم، له أن ينتصر من ظالمه بالدعاء عليه.
وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم»، قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة».
ففرق بين بغضهم ولعنهم، ونزع اليد من الطاعة في المعروف، ومفارقة الجماعة، فإن ثمة تجاه هؤلاء الأمراء المسلمين واجب، وهو أن نكره عملهم، وعلينا أن نظهر تلك الكراهة، إنكارًا بالقول والفعل إن أمكن كما وقع في الحديث نفسه عند أحمد في المسند، قال: “خيار أئمتكم من تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم”٬ قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: “لا ما أقاموا لكم الصلاة، ألا ومن ولي عليه أمير وال، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فلينكر ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة”، فهذا اللفظ يفسر ذلك.
وقد نهانا عن أمر وهو مفارقة الجماعة وترك الطاعة والمقصود في المعروف كما قيدت بذلك النصوص.
وسكت عن أمر وهو لعنتهم؛ فإن اللعن ليس من الدين الذي يدعو إليه الشرع، وإن كان قد يقع مكافأة وقصاصًا، جزاء سيئة بمثلها، ولسبب من الظلم البيِّن أوجبها.
وهذا قد يُرخص فيه للمظلوم الذي تحقَّق ظلمه، وقد رخص فيه كثير من أهل العلم، على وجود الخلاف فيه. فمن منع اللعن لما ظهر له من الشرع، ولما ينبغي أن يكون عليه المسلم من تنزيه اللسان عنه، فهو على خير، دون سائر الدعاء على الظالم بما هو أهله، وبما يستحقه! فإن منع هذا فقد تجاوز، فإن زاد عليه إلزام المظلوم الدعاء لظالمه فهو المبتدع في دين الله! ومكلف الأشياء ضد طباعها.
ومن مسائل الخلاف المشهورة المتصلة بهذا، الخلاف بين أهل السنة في مسألة لعن يزيد بن معاوية، وقديمًا كتب الشيخ عبد المغيث الحربي كتابًا في فضائل يزيد، وقد كانت ليزيد فضائل، من أثبتها ما صح عند البخاري قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ»، وقد كان ذلك جيش يزيد،”وَيُقَالُ: إِنَّ يَزِيدَ إِنَّمَا غَزَا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ لِأَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ” [منهاج السنة4/572]
ومع ثبوت ذلك عدَّ العلماء ما كتبه عبد المغيث من بدع التآليف! قال ابن الأثير: “أتى فيه بالعجائب”، وقال ابن كثير: “وَلَهُ مُصَنَّفٌ فِي فَضْلِ يَزِيد بْنِ مُعَاوِيَةَ، أتى فيه بالغرائب والعجائب، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فَأَجَادَ وَأَصَابَ، وَمِنْ أَحْسَنِ مَا اتَّفَقَ لِعَبْدِ الْمُغِيثِ هَذَا أَنَّ بَعْضَ الْخُلَفَاءِ- وَأَظُنُّهُ النَّاصِرَ- جاءه زائرًا مستخفيًا، فعرفه الشيخ عبد المغيث ولم يعلمه بأنه قَدْ عَرَفَهُ، فَسَأَلَهُ الْخَلِيفَةُ عَنْ يَزِيدَ أَيُلْعَنُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: لَا أُسَوِّغُ لَعْنَهُ لِأَنِّي لو فتحت هذا الباب لأفضى الناس إلى لعن خليفتنا.
فقال الخليفة: ولِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَفْعَلُ أَشْيَاءَ مُنْكَرَةً كَثِيرَةً، مِنْهَا كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ شَرَعَ يُعَدِّدُ عَلَى الخليفة أفعاله القبيحة، وما يقع منه من المنكر لِيَنْزَجِرَ عَنْهَا، فَتَرَكَهُ الْخَلِيفَةُ وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وقد أثر كلامه فيه، وانتفع به”.
قال الذهبي في التاريخ: “صنف كتابًا في فضائل يزيد أتى فيه بالعجائب، ولو لم يصنفه لكان خيرًا له، وعمله ردًّا على ابن الجوزي. ووقع بينهما عداوة لأجل يزيد، نسأل اللَّه أن يثبت عقولنا، فإن الرجل لا يزال بعقله حتى ينتصب لعداوة يزيد أو ينتصر له، إذ له أسوة بالملوك الظلمة”.
وأما أبو الفرج ابن الجوزي فله كتاب في إباحة لعنة يزيد، رد فيه على كتاب الشيخ عبد المغيث الحربي؛ فإنَّه كان ينهى عن ذلكَ، قال في أوله: سألني سائل في بعض مجالس الوعظ عن يزيد بن معاوية وما فعل في حق الحسين رضي الله عنه وما أمر به من نهب المدينة، فقال لي: أيجوز أن يلعن؟ فقلت: يكفيه ما فيه، والسكوت أصلح.
فقال: قد علمت أن السكوت أصلح، ولكن هل يجوز لعنته؟
فقلت: وقد أجازها العلماء الورعون منهم أحمد بن حنبل. فبلغ كلامي إلى شيخ قد قرأ أحاديث مروية، ولم يخرج من العصبية العامية، فأنكر ذلك وصنف جزءًا انتصر فيه ليزيد، فحمله إلي بعض أصحابي وسألني الردَّ عليه.
إلى أن قال: لو قال هذا الشيخ: الأولى ألا يضيع الزمان في ذم أحدٍ ما خُولف، فإنّه قد قال بعض الصالحين: لأن يخرج من صحيفتي: لا إله إلا الله، أحب إلي من أن يخرج لعن الله إبليس!
ثم أسند إلى صالح ابن الإمام أحمد قوله: قلت لأبي: إن قومًا ينسبونا إلى تولي يزيد؟ فقال: يا بُني! وهل يتولى يزيد أحدٌ يؤمن بالله؟!
فقلت: ولم لا تلعنه؟
فقال: ومتى رأيتني ألعن شيئًا؟! ولم لا يُلعن من لعنه الله في كتابه؟
فقلت: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟ فقرأ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22]، فهل يكون فساد أعظم من القتل؟!
قال: وصنف القاضي أبو الحسين محمد ابن القاضي أبي يعلى بن الفراء كتابًا فيه بيان من يستحق اللعن وذكر فيهم يزيد، وقال: الممتنع من ذلك إما أن يكون غير عالم بجواز ذلك، أو منافقًا يريد أن يوهم بذلك!
والخلاف في لعن المعين من الظالمين أو الفاسقين قديم، ذهب إلى جوازه جمع من السلف والأئمة في حق ولاة، قال منصور: ذكرت لإبراهيم- يعني النخعي- لعن الحجاج أو بعض الجبابرة، فقال: أليس الله يقول: ألا لعنة الله على الظالمين؟
وتقدم قول الله تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ الآية.
ومعنى الآية:لا يحب الله أن يجهر أحد بالدعاء على أحد إلا من ظُلم فيدعو على ظالمه؛ أي: لكن من ظُلم فله أن يدعو على ظالمه، ولا يكره الله ذلك.
قال ابن عباس: أُرخص للمظلوم أن يدعو على ظالمه، وإن صبر فهو خير له.
قال قتادة: عذر الله سبحانه المظلوم.
ومما يدل على أن الدعاء على الأمير الظالم جائز قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه وقد بعثه أميرًا إلى اليمن: “واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”! والحديث في البخاري، والله عز وجل يستجيب للعبد ما لم يدع بإثم، ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يزال يستجاب للعبد، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل”، وعزة الله وجلاله لينتصرن الله للمظلوم من الظالم ولو بعد حين.
أوَ بعد ذلك يجوز النظر في ادعاء سفيهٍ على عالم: بأنه لا يدعو لولي الأمر بصورة كافية؟! وهل يسعه في دين الله إلاّ ذلك؟!
من عجائب دهرنا التجريم بترك الدعاء ليزيديين! لمن ظلموا الناس في أموالهم ودمائهم وأديانهم، وأقروا المجون على أكناف أطهر البقاع! ولئن كان يزيد قد غزا القسطنطينية فقد ساعد هؤلاء على غزو مسلمين وتضييق الخناق على آخرين منهم، أفيوجب عاقل أن يدعى لهم وباسم السنة! أو يجرَّمُ من ترك ذلك؟! هذا زمانك يا مهازل فامرحي!
ألا فليعلم الظالمون، أن ثمة مظلومين وأزواجًا لهم وذرية، ووالدات ووالدين، قد ضجوا إلى ربهم، وقد رفعت ظلامتهم، وهي اليوم عند مليك مقتدر، يمهل ولا يهمل، يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته! فليتحلل عاقل من مظالمه، وليعرض عمن يملي له ويسول، فإنه يورط نفسه ويورطه!