مكاشفة حتمية للحرب الحوثية

سبر أغوار المواقف عند الحوادث العظيمة، أفكار أصحابها، منطلقاتها، ثوابتها، ضرورة متحتمة لأصحاب العقول، حتى لا ينجرف المتحمسون خلف دوافع رغبوية لا تجد لها أصولًا تستند إليها في غالب الأحوال.

ووسط الفتن، خير أن تسير على خيط مشدود من التحفظ والتريث عن أن تنزلق في هوة الانحياز هنا أو هناك، وخيطنا المشدود هو خيط الوسط، وهو تصفية الثوابت عن علائق الأهواء، فمن العار أن يقع المعارض لهذا النظام أو ذاك في الفرح بكل مكروه عائد على بلاده أو سواها من البلدان الشقيقة، بحجة أن ذلك يُضعف النظام، بينما يخسر المجتمع نفسه الذي هو قوام الدولة خسرانًا مبينًا بسبب خطايا نظامه، وتضعف قدرات بلاده على مقاومة مزيد من الانكسارات والضغوط.

وفي الحرب السعودية/الحوثية، قد ينجرف معارض سعودي في إظهار شماتته في نظام بلاده، إلى مستوى لا يقدر معه مآلات هذه الهزائم التي يمنى بها النظام السعودي على حاضر ومستقبل السعودية والعالم الإسلامي، وكأنه نسي أن تقسيم السعودية هو أحد السيناريوهات الموضوعة على طاولات المتآمرين، وأن وجود حكم غير رشيد كهذا من الوارد جدًّا أن يسرِّع من مقدمات هذا التقسيم، ويفتح شهية أعداء الشعب السعودي، لا نظامهم، على جد السير بخفة لتحقيق ذلك أو البدء بخطواتها الأولى.

أو قد يرى في تقدم الحوثيين على حلفاء السعودية مدعاة لإثبات وجهة نظره، أو يتفاءل بذلك ظانًّا منه أن ذلك يسرع من زوال النظام السعودي أو تحوله في اتجاه متصالح مع مجتمعه المتدين.

وفي الجانب الآخر، قد يغالي مؤيد للنظام أو ينبري صاحب بوق له، لينفخ في النار، مفضلًا استمرار هذه السياسة الخرقاء التي يتبعها النظام السعودي، وقد يبالغ فيظن أن من يقف متراجعًا ومنهزمًا أمام الحوثيين الآن في اليمن، ومن خلفه السعودية، إنما هو فريق يمثل «المشروع السني» في مقابل «المشروع الشيعي الإيراني» للحوثيين.

ووسط الفتن، خير أن تسير على خيط مشدود من التحفظ والتريث عن أن تنزلق في هوة الانحياز هنا أو هناك، وخيطنا المشدود هو خيط الوسط، وهو تصفية الثوابت عن علائق الأهواء، فمن العار أن يقع المعارض لهذا النظام أو ذاك في الفرح بكل مكروه عائد على بلاده أو سواها من البلدان الشقيقة، بحجة أن ذلك يُضعف النظام، بينما يخسر المجتمع نفسه الذي هو قوام الدولة خسرانًا مبينًا بسبب خطايا نظامه، وتضعف قدرات بلاده على مقاومة مزيد من الانكسارات والضغوط.

والخيط المشدود هنا، والذي ينبغي السير عليه، هو التسليم بداية بأن كلا المشروعين لا يمثل حقًا ولا ينصر دينًا، وأنه لا سبيل قويمًا أن يصل بمعارض بنقده وسخريته من النظام السعودي وخلله الدائم في سياسته الرعناء إلى حد إظهار الولاء للمشروع الإجرامي الحوثي في اليمن، ولا أن يُلبِّس على الناس موهمًا إياهم بأن هذا المشروع ينتصر حقًا لأهل غزة، عمليًّا، بإسناده المحدود الذي قام به أثناء الإبادة الجماعية، أو يمثل خطرًا حقيقيًّا على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، أو أنه على فرض فعله ذلك عن إيمان حقيقي بالقضية الفلسطينية وإيمانه بها، يسوغ له ذلك أن يختطف اليمن، لحساب استراتيجية إيرانية، فيحارب لأجلها، ويقتل الدعاة السنة لأجلها، ويدمر مساجد لأجلها، ويغلق أهم جامعة دينية سنية في اليمن وربما في محيط جنوب الجزيرة العربية وشرق إفريقيا برمتها، لأجلها، ثم يتحكم بمضيق باب المندب لأجلها، لتحكم إيران قبضتها على قلب التجارة في العالم الإسلامي، وتتسلم مفاتيح كنوزها.

كل هذا، لو تجاهله معارض فهو مخطئ، وإن زاد عليه بالتهوين من عقيدة الحوثيين الضالة فهو يُلبِس على أنصاره دينهم.

والمؤيد عن قناعة أو نفاق، إن ظن أن النظام السعودي لا يحمل مشروعًا تغريبيًّا شديد الوطأة على المسلمين، ليس في السعودية وحدها، بل يمتد ليشمل كل ما تصل إليه يده إعلاميًّا ومؤسساتيًّا وسياسيًّا فهو واقع في خلط كبير، ومن يجهل دور النظام السعودي في المنطقة ومساندته التامة للولايات المتحدة الأمريكية، ومده يد الإنقاذ لها كل مرة توشك فيها أن تغرق في بحار الديون، فهو ساذج جدًّا.

و«مشروع السعودية» الحالي، وإن كان فاشلًا متنقلًا من جناية سياسية إلى أخرى، متدرجًا من خطأ إلى جريمة، إلا أنه ينجح تمامًا فيما يتعلق بالفساد والإفساد الداخلي، وتفكيك عرى الدين والمجتمع يومًا بعد يوم.

ففشل النظام السعودي في إلحاق الهزيمة بالحوثيين، وتسوله الهدنة منهم، ولهاثه نحو كل وسيط بعد أن باعه كثيرون، يمنح فرصة جيدة للمعارضين لهذا النظام أن يشرحوا لأبناء وطنهم هذه الجريمة الكبرى التي ارتكبها النظام السعودي بحقهم، ويعطي أصحاب رؤية ضرورة تغييره وليس إصلاحه كل ما يدعم وجهة نظرهم، لكن لا يسمح لهم بأن يبدوا كالمصطفين في معسكر الحوثي المعادي، للشعب السعودي نفسه، ولأعز من يحبهم من رجال وهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجات النبي، أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن.

وفشله، فرصة جرى بها القدر لكل مؤيد أن يتقي الله جل وعلا، ويكف عن ولاء، هو ولاء في غير محله الإسلامي تمامًا، وأن يصطف مع المفسدين الآثمين.