تُعَدُّ خلافة أبي بكر الصديق نموذجًا فريدًا في السياسة الشرعية الراشدة، إذ قامت على العدل والشورى والرحمة وحفظ الدين، مع البعد عن الاستبداد وطلب السلطان. وقد ظهرت في سيرته أصولٌ سياسية عظيمة شكَّلت منهج الحكم عند الخلفاء الراشدين من بعده، ومن هذه الأصول:
عدم التطلع إلى الحكم:
لم يكن أبو بكر رضي الله عنه طالبًا للإمارة ولا ساعيًا إليها، بل تولى الخلافة برضا المسلمين واختيارهم. قال ابن تيمية: «أبو بكر رضي الله عنه ما طلبها بلسانه، ولا قال: بايعوني، بل أمر بمبايعة عمر وأبي عبيدة» [منهاج السنة النبوية].
بل حمل رضي الله عنه على الخلافة، وهذه سمة من سمات الرشاد وهي الزهد فيها، وإنما كان الحرص عليها من سمات الملك العضوض والحكم الجبري الذي حدث في الأمة بعد عقود، ثم عدَّه من عدَّه اليوم استحقاقًا! وجعل المُلك مِلكًا وتركة يورثها ذويه!
توليه الحكم بطريقة سلمية:
قامت خلافته على البيعة والرضا العام، لا على السيف والقوة.
قال ابن تيمية: «لم يطلب الخلافة لا برغبة ولا برهبة، ولا شهر عليهم سيفًا، ولا كانت له قبيلة تنصره كما هي عادة الملوك» [منهاج السنة النبوية].
فكان انتقال السلطة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم انتقالًا سلميًّا قائمًا على الشورى والاختيار.. وكانت تلك من مناقبه رضي الله عنه، وأنت واجد اليوم من يعد في مناقب آبائه معرة حيازته الملك “بالسيف الأملح”! ويفخرون بأحداث تسور واغتيال لأمير سابق، لو وقع لبعضهم اليوم عَدُّوه إرهابًا وصنفوا مؤيديه جماعة إرهابية! وكذلك فعلوا مع من استولى على الحكم من بعض الإسلاميين في دولة مجاورة منذ أكثر من عقدين وإلى اليوم لم تزلهم دول من قائمة الإرهاب!
قيام الخلافة على البيعة والشورى:
تولى أبو بكر الخلافة عن طريق بيعة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، ثم بايعه عامة المسلمين. وقال في أول خطبة له: «فإني قد وُلِّيت عليكم». وقد أكد ابن تيمية أن السابقين الأولين هم الذين بايعوه، ولم يتخلف عن بيعته إلا سعد بن عبادة رضي الله عنه [منهاج السنة النبوية].
وقال ابن كثير: «اتفق الصحابة رضي الله عنهم على بيعة الصديق» [البداية والنهاية]. أما اليوم فيموت الملك:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهود!
ويا ويل من تأخر في البيعة أو امتنع عنها!
فكان انتقال السلطة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم انتقالًا سلميًّا قائمًا على الشورى والاختيار.. وكانت تلك من مناقبه رضي الله عنه، وأنت واجد اليوم من يعد في مناقب آبائه معرة حيازته الملك “بالسيف الأملح”! ويفخرون بأحداث تسور واغتيال لأمير سابق، لو وقع لبعضهم اليوم عَدُّوه إرهابًا وصنفوا مؤيديه جماعة إرهابية! وكذلك فعلوا مع من استولى على الحكم من بعض الإسلاميين في دولة مجاورة منذ أكثر من عقدين وإلى اليوم لم تزلهم دول من قائمة الإرهاب!
التواضع وعدم الاستعلاء على الأمة:
من أعظم ما امتازت به سياسته قوله في خطبته: «ولِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أخطأت فقوموني»، وفي هذا إظهار للتواضع، ورفض لادعاء العصمة أو الاستعلاء على الرعية، وفتح لباب النصيحة المشروعة، والتقويم المطلوب الذي لن يستغني عنه متولٍ بعد أبي بكر رضي الله عنه.
عدم إكراه الناس على البيعة:
لم يُكره أبو بكر أحدًا على مبايعته، ولم يعاقب من تأخر عنها. قال ابن حزم الأندلسي: «امتناع علي عن بيعة أبي بكر لم يحاربه أبو بكر عليه، ولا أكرهه» [الفصل في الملل والأهواء والنحل]. وقال ابن تيمية: «من تخلف عن بيعته كسعد بن عبادة لم يؤذه، ولا منعه حقًّا له» [منهاج السنة النبوية].
ولك أن تتصور اليوم امتناع علم عن بيعة ولي للعهد إما إنكارًا لاستحقاقه، أو لعذر من شغل بأهل أو ولد يراه به أولى! وإذا قد علمت أنه يكفي قضاة السوء في المطالبة بالقتل تهم من نحو “عدم الدعاء لولي الأمر بالقدر الكافي” عرفت من ينتظر من امتنع عن البيعة من قبل أمثال هؤلاء الفاسقين، ومن حملهم على ذلك أو ولاهم من الظالمين!
إدارة الدولة بالشورى والاجتهاد الجماعي:
كان أبو بكر رضي الله عنه يعتمد الشورى، ويرجع إلى القرآن والسنة، ثم يستشير كبار الصحابة فيما لا نص فيه. وروى ميمون بن مهران أنه إذا أعياه الأمر جمع رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم قضى به [سنن الدارمي].
وهذا يدل على أن الدولة في عهده لم تكن فردية، بل قائمة على الاجتهاد الجماعي والمشاركة في اتخاذ القرار، نعم كان يرجح ويختار ويحق لمن ملك العلم وعرف أوجه المصالح الشرعية وبلغ رتبة الاجتهاد وإن كان دون أبي بكر رضي الله عنه يحق له ذلك، لكن ليس ذلك لجاهل بالشرع، قليل التجربة في الواقع عند أحد من العلماء.
التعاون بين الحاكم والرعية:
قال أبو بكر في خطبته: «إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني». وهذا أصل عظيم في علاقة الحاكم بالأمة، يقوم على التعاون المتبادل في إقامة الحق. وقد قال ابن تيمية: «الإمام ليس ربًّا لرعيته.. وإنما هو والرعية شركاء يتعاونون على مصلحة الدين والدنيا» [المنهاج]، فيقوم ويقوم، وهو بشر يسيء ويحسن، وكلما كمل علم المتولي واستقامة ديانته، وكملت قوته وخبرته بأمور الناس وفق للإصابة، وكان خطؤه قليلاً يسيرًا، بخلاف من ضعف علمه، ورقة ديانته، وقلت خبرته فهو بحاجة إلى تقويم كثير من ضيق بابه فقد منع كثيرًا من النصيحة وغش ولاة الأمر وغر الأمة.
ولك أن تتصور اليوم امتناع علم عن بيعة ولي للعهد إما إنكارًا لاستحقاقه، أو لعذر من شغل بأهل أو ولد يراه به أولى! وإذا قد علمت أنه يكفي قضاة السوء في المطالبة بالقتل تهم من نحو “عدم الدعاء لولي الأمر بالقدر الكافي” عرفت من ينتظر من امتنع عن البيعة من قبل أمثال هؤلاء الفاسقين، ومن حملهم على ذلك أو ولاهم من الظالمين!
الطاعة مقيدة بالشرع:
قرر أبو بكر قاعدة عظيمة في الحكم بقوله: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم». وهي قاعدة تدل على أن الطاعة في الإسلام ليست مطلقة، بل مقيدة بالمعروف والشرع. فالطاعة إنما هي في الطاعة والمعروف، وما عداه فتحرم إذا كانت في خلاف الشرع أو تباح إن كانت فيما سكت عنه أو أباحه ولم تحمل عليه مصلحة مرسلة أو قاعدة شرعية توجه طلبه.
حق الأمة في تقويم الحاكم:
أكد أبو بكر حق الأمة في نصح الحاكم وتقويمه، فقال: «وإن أسأت فقوموني». وعدَّ ابن تيمية ذلك من كمال عدله وتقواه، وأنه يجب على الأمة إعانة الإمام على الحق ومنعه من الظلم بحسب القدرة والمصلحة [مجموع الفتاوى]. وهذا التقويم الذي شرعه للولاة لا يجوز أن يصادره أحد، وكلما زادت الحاجة إليه بسبب كثرة الاعوجاج كان التحجير عليه أبعد عن الشرع والاستقامة على منهاج الحق.
تقديم الكفاءة في الولايات:
لم يجعل أبو بكر المناصب حكرًا على أقاربه أو أهل بيته، بل كان يولي الأكفأ والأصلح. ولذلك خرج من الخلافة زاهدًا فيما دخل فيها، ولم يستأثر بمال ولا سلطان [منهاج السنة النبوية]. فأبناء صلبه لم تعهد إليهم في مدة ولايته ولاية لأحدهم، ولما عهد وأوصى أوصى لعدوي نسبته بعيدة إلى تيم مقارنة ببني مخزوم، أو بني زهرة أو قصي من أبناء مرة.
ترسيخ مبدأ الشفافية والعدل:
قال رضي الله عنه: «الصدق أمانة، والكذب خيانة». كما قرر المساواة أمام القضاء بقوله: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه».
ومن صور عدله ما روي أنه لطم رجلًا، ثم مكنه من القصاص منه فعفا الرجل [مصنف ابن أبي شيبة].
فقارن ذلك بمن يستقصون اليوم من الضعاف، ويتركون الكبراء، وهم لا يسألون عما يفعلون! ويضربون ولا يضربون، بل لو اقتص من شرطي لهم أو عسكري في سلكهم أساء وظلم لأقاموا على المنتصف منه القيامة! باسم هيبة الدولة وأمور ما أنزل الله بها من سلطان! بل هيبة الدولة في إقامة العدل والحكم بالشرع والانتصاف من الظالم أيًّا كان، ودول تقوم على غير ذلك لا أقامها لله وإن قامت فما أسرع أن تزول.
الأخذ بأسباب القوة وحماية المجتمع:
كان أبو بكر يؤمن بأهمية القوة العسكرية في حفظ الأمة، فقال: «لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل» [الجامع لمعمر].
كما حرص على حماية المجتمع من الفساد الخلقي بقوله: «ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء».
ومن أعظم مواقفه في ذلك قتاله المرتدين ومدعي النبوة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حفظًا للدين ووحدة الأمة.
وأما اليوم فعن تقييد الجهاد ومنعه ودفع حتى جهاد الدفع منه وتقييده ومنعه فلا تسأل!
وفي الارتهان للغرب مآس ومهازل، فالقوت واللباس والسلاح منهم، بل بعض ذلك يكاد يكون حقًّا حصريًّا لبعضهم، ارتماء كامل وارتهان تام لتقنيتهم المقيدة لنا.
الحاكم أجير عند الأمة:
كان أبو بكر يرى أن الخليفة خادم للأمة لا متسلط عليها. فلما تولى الخلافة قال: «لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال» [صحيح البخاري].
وقد خاطب أبو مسلم الخولاني معاوية رضي الله عنه بقوله: «السلام عليك أيها الأجير»، أي أجير الأمة، وأقره معاوية على ذلك [حلية الأولياء]. وقال البهوتي: «الإمام وكيل المسلمين» [شرح منتهى الإرادات]. وقد فرض لأبي بكر رضي الله عنه من بيت مال المسلمين فريضة متوسطة قدرها غيره! فأين هذا اليوم.. ومن يجرؤ على المطالبة به في ظل حكوماتنا الرشيدة!
العدل في توزيع الأموال:
حرص أبو بكر على التسوية بين المسلمين في العطاء، فقسم المال بينهم بالسوية، ورأى أن المعاش حق عام لا مجال فيه للمحاباة [مصنف عبد الرزاق].
ثم جاء عمر رضي الله عنه فرأى التفاضل بحسب السابقة والجهاد، ثم خلفت خلوف ففضلت محسوبية وقرابة وواسطة، وفسادًا محضًا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قلة الحبس في عهده:
كان عهد أبي بكر قريبًا من عهد النبي صلى الله عليه وسلم في قلة استعمال الحبس، فلم يكن الحبس عقوبة شائعة، بل كانت العقوبات الشرعية تنفذ مباشرة، ثم ظهر السجن وكانت بداياته في الحبس زمن عمر رضي الله عنه [الطرق الحكمية لابن القيم]، وكان لمستحقه، وكان بقدر، ولم يكن بصيغة حبس اليوم الظالمة وإنما تقييد حرية فقط وليس كمقابر الأحياء اليوم، فكم في السجون من مظاليم، قد خصصت لحبس بعضهم وسجنهم المدد التي لا يقرها شرع ولا غرب! محاكم مختصة!أو بعد ذلك يوصف بالرشد من جافى طريقة الراشد الأول وخط خطتهم، اللهم لا!