لم تبدأ الأزمة السعودية الكبرى اليوم، بل بدأت في اللحظة التي قررت فيها الرياض أن ترهن قرارها السياسي والاقتصادي للعدو الأمريكي.
وبالأمس، أعلنت واشنطن والرياض شن ضربات على جماعات مدعومة من إيران في العراق، وقالتا إنهما مسؤولتان عن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت نفطية سعودية، مما دفع إيران إلى التحذير من أن إلقاء اللوم عليها في مثل هذه الهجمات يمثل “خطأ كبيرًا في التقدير”.
في ظاهر الأمر تبدو السعودية، وقد حسمت أمرها بوضوح الآن، إذ أدركت أن هناك حدًّا أقصى لما يمكنها تحمله من إجراءات عقابية قبل أن تضطر إلى الرد، فقد قالت السعودية قبل ساعات من شنها هجمات على مواقع الحشد الشعبي في العراق، إن دفاعاتها الجوية اعترضت ودمرت عدة طائرات مسيرة استهدفت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية بالمملكة.
وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية تركي المالكي: إن ميليشيات مدعومة من إيران أطلقت الهجمات من الأراضي العراقية.
لكن الأمر أبعد ما يكون عن حسم ناجم من قرار سياسي مستقل لبلد قد نفد صبره من اعتداءات تطال أهم قطاع اقتصادي في البلاد، قطاع النفط.
بدا الرد، كانتقام «مشروع»، وفعل «حازم شجاع»، وخطوة لابد من اتخاذها، فسيادات البلاد لا ينبغي أن تكون محل عبث ولا استخفاف من الجيران، ولكن ليت الرد كان من هذه الشاكلة.
أخذت واشنطن بيد الرياض وأضلتها طريقها، وسارت بها في حقل ألغام، وتركتها في منتصفه، وأدخلتها الجُحر مرتين بل ثلاثة، ففي «عاصفة الحزم» شجعتها، ثم «أهدتها» إحداثيات خاطئة، جعلت منها لليوم متهمة بارتكاب جرائم حرب، وأصبح القصف المتوالي في صنعاء وما حولها في ذلك الحين مادة خام جاهزة لملاحقة السعودية جنائيًّا لو أرادت الإدارة الأمريكية ذلك يومًا ما، مثلما تضع ملفات خاشقجي وأحداث سبتمبر في «حافظة» الابتزاز!
وليت هذه كانت أكبر المشاكل، فلو كانت لهانت، فالكارثة الكبرى أن السعودية قد صارت مع القصف الأخير بعد قصف مطار صنعاء في مرمى سهام تُطلق من ثلاث جهات، لا تكاد تحتملها إلا دول تتمتع بدفاعات جوية لا نظير لها، وقوات برية وطنية كبيرة ومدربة وجاهزة، وجهاز استخباري خارجي قوي جدًّا، وخطوط آمنة لتصدير أغلى سلعة لديه للعالم؛ فأين السعودية في ظل هذه الحكومة من كل هذا؟!
حلقت المقاتلات الأمريكية جنبًا إلى جنب مع المقاتلات السعودية، ونفذت غارات عديدة في كل من محافظات بغداد وواسط ونينوى والبصرة وكركوك وكربلاء وديالى، مستهدفة مواقع للحشد الشعبي الموالي، وقالت هيئة الحشد في بيان لها، إن الغارات قد قتلت ٢٠ وجرحت ٣٢ شخصًا، بحصيلة بشرية لا نظير لها في الهجمات الإيرانية أو الحوثية أو الحشدية، بما أثار الغضب الطائفي المكتوم في العراق، مع انطلاق جنازات في جموع تهتف «يا لثارات الحسين»!
وكأن ما كان ينقص السعودية في خضم هذه الأحداث المضطربة أن تتعامل مع جبهة ثالثة، بخلاف إيران والحوثيين، فلم يكن قد مر سوى أيام قلائل على إطلاق الحوثيين صواريخ استهدفت مجمعين نفطيين سعوديين على ساحل البحر الأحمر، عقب هجمات شنها الحوثيون على ناقلتين سعوديتين ثم ثالثة في البحر الأحمر، وذلك بعد أن أعلنت الجماعة فرض حصار على حركة الملاحة السعودية العابرة لمضيق باب المندب الاستراتيجي.
أخذت واشنطن بيد الرياض وأضلتها طريقها، وسارت بها في حقل ألغام، وتركتها في منتصفه، وأدخلتها الجُحر مرتين بل ثلاثة، ففي «عاصفة الحزم» شجعتها، ثم «أهدتها» إحداثيات خاطئة، جعلت منها لليوم متهمة بارتكاب جرائم حرب، وأصبح القصف المتوالي في صنعاء وما حولها في ذلك الحين مادة خام جاهزة لملاحقة السعودية جنائيًّا لو أرادت الإدارة الأمريكية ذلك يومًا ما، مثلما تضع ملفات خاشقجي وأحداث سبتمبر في «حافظة» الابتزاز!
وقد وجدت الرياض نفسها مضطرة للرد في الجبهة الثالثة بدافع الردع والانتقام وحفظ «الكرامة والسيادة الوطنية»، وهذا كان عين العقل والحكمة لو كانت السعودية قد تجهزت لمثل هذه الأحداث، ولم ترهن قرارها للغير، وارتكنت إلى حماية وهمية من الولايات المتحدة الأمريكية التي سرعان ما أدارت ظهرها للسعودية، وفاجأتها بالخذلان في ساعة الضيق والعسر، ولو كانت استغلت فترة الهدنة مع الحوثيين منذ العام ٢٠٢٢، واتفاقها مع إيران بوساطة صينية عام ٢٠٢٣ لتقوية جيشها، وزيادة اللحمة المجتمعية، وبنت نظامها على الشورى الحقيقية وكسرت أقفال سجونها، واستعانت بخبرات وجهود نخبتها المغيبة في الخارج والداخل لبناء دولة قوية.
إن كل الدوائر الاستخبارية «الإسرائيلية» توقن أن المقاومـ.ـة في غـ.ـزة تستغل فترة الهدنة الهشة منذ نحو عام لبناء نفسها بإمكانات شبه منعدمة، فكيف أمضى النظام السعودي البلاد في هذه السنوات الأربع في غيرنتائج اللهو الفاجر، والتفاهة السافرة؟
حبا الله هذه البلاد بالحرمين الشريفين والمقدسات، ثم بريع لا ينقطع من إنتاج نفطي هو الأضخم في العالم، فكيف لم تبن لنفسها جيشًا قويًّا مرهوبًا، واقتصادًا تنمويًّا متنوعًا، وكيف لم تتأهب لكل هذه المخاطر حولها من «الصديق» الأمريكي قبل «العدو» الإيراني؟! يقول الذباب: لو رددنا قلتم: هوجاء، وإن صمتنا قلتم: جبناء!
لا هذا ولا ذاك، فقد كان بالإمكان ما هو أولى وأهم من ذلك بكثير، فإيران وتركيا كانتا نموذجين في الجوار، فلم تسلحوا وصنَّعوا ووطَّنوا صناعاتهم، ولهثتم خلف كل «فنانة» وآخر؟! ثم صرتم في الأخير كفريسة وقعت في شباك الصياد كلما تحركت أحكمت الحبال حولها أكثر!