على ذمة (سالم الطويل) قبل تلفها: لا بيعة لمن لا يحكم بالكتاب والسنة

أشرت في مقالة سابقة إلى أنّ النظر في شرعية الأنظمة كان بحثًا حاضرًا في الساحة العلمية الإسلاميّة عامّة والسلفيّة خاصّة، لكنْ كان هذا قبل أن تنشأ مدرسة (نصف ساعة زنا ولواط)، تلك المدرسة التي بدّلت الملّة وحرّفت الدّين، حين قفزت بوعي أتباعها إلى عقد الولاء والبراء على الانقياد والسمع الطاعة للأنظمة النَّابذة لشرع الله.

وفتاوى وكتابات الأقدمين من أعيان الطريقة السلفيّة الأصيلة شاهدة بذلك المنهج الشرعي الواعي الذي كان في عامة طرحه يجعل مرجعية الحكم بالشريعة نصب عينيه حين يكون الكلام عن شرعية النظام وصحة البيعة للحاكم، وسوف نسوق الكثير من الشواهد المثبتة لهذا في مقالات لاحقة إن شاء الله، أما في هذا المقال فسنكتفي بعرض أنموذجين اثنين:

-الأنموذج الأول: فتوى صادرة من اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، مثبته في مجموع فتاويها (1/789)، وذلك حين وردها سؤالٌ يقول:

(لعلكم على علمٍ بأنّ حكومتنا علمانية لا تهتم بالدين، وهي تحكم البلاد على دستورٍ اشترك في ترتيبه المسلمون والمسيحيون، هناك يرد السّؤال: هل يجوز لنا أن نسمي الحكومة بحكومة إسلامية، أو نقول إنها كافرة؟).

سؤالٌ مختصرٌ وصريح، فجاء الجواب مثله في الإيجاز والصراحة:

الجواب: (إذا كانت ‌تحكم ‌بغير ‌ما ‌أنزل ‌الله فالحكومة غير إسلامية. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم). عبد الله بن قعود، عبد الله بن غديان، عبد الرزاق عفيفي، عبد العزيز بن عبد الله بن بازٍ.

ويلحظ في الفتوى أنّها لم تتعرّض للحكم على معيّنٍ بالكفر، واكتفت بالتنبيه إلى أن تنحية الحكم بالشريعة كافٍ في إسقاط صفة الشرعية الإسلامية عن الدولة.

-أما الأنموذج الثاني: فهو فتوى مماثلة صدرت قبل نحو اثني عشر عامًا، وهي مشابهة في مضمونها للأنموذج الأول، لكنّها مختلفة في الجهة التي أصدرتها، ذلك أنّ صاحبها عضو نشط في مدرسة (نصف الساعة)، وقد ضمّن فتواه نقلًا نادرًا عن أحد شيوخ طريقته يثبت ما نقوله من حضور البحث في شرعية الأنظمة في الخطاب الشرعي إلى وقتٍ قريبٍ؛ فهذه المدرسة حتى بعد تجذّرها في مذهب (النصف ساعة)، كثيرًا ما يجري ألسنة أكابرها فلتاتٌ تشهد بما كانوا عرفوه وتعلّموه ونشأوا عليه.

صاحب الفتوى هو سالم الطويل، وقد نشرها في شهر نوفمبر من العام 2014م، تحت عنوان: (رسالة لم يحملها البريد إلى إخواني السلفيين في روسيا)، والفتوى لا تزال مثبتة في صفحته الرسميّة إلى ساعة كتابة هذه المقالة، فقد ورد إليه من أحد مسلمي الجمهوريات التابعة لروسيا سؤالان هذا نصّهما:

السؤال الأول:

[بعض الحكام المسلمين لدول الاتحاد السوفيتي سابقًا لا يحكمون بالشَّرع مطلقاً، فمن الإخوة من يقول: نحن لا نكفرهم لأنّ التكفير يُرجع فيه للعلماء، لكن في الوقت نفسه-من كانت هذه حاله-لا نعتبره وليّ أمرٍ شرعي، ولا نقول له في أعناقنا بيعةٌ، بحيث تنطبق عليه النصوص التي جاءت بالأمر والحث على طاعتهم وعدم ذكر أخطائهم… إلخ. ويا شيخ -حفظك الله- بعض الإخوة السلفيين يقول: (إن هذا الموقف هو موقف الحزبيين، ومن قال بقولهم فهو حزبي متستر)، ثم تجدهم يوالون ويعادون على هؤلاء الحكام ويقولون: (من لا يقل عنهم: أمراء المؤمنين فهو ضال مضل)، ويمتحنون الناس بهم، بل بعضهم يقول بوجوب الثناء عليهم، فما تعليقك على قول هؤلاء الأخوة؟].

هذا نصّ السؤال الأول، وأما السّؤال الثاني، فيقول:

[شيخنا بارك الله فيك، في قضية صارت سببًا للفتن والافتراق بين السّلفيين! القضية هي: أنّ بعض طلبة العلم من دول آسيا يُنَزّلون الأحكام العامة الواردة في السمع والطاعة لولاة الأمر والحكام، والتي ذكرها العلماء في الحكّام الشّرعيين على الحكام الذين لا يقيمون لأحكام الشريعة وزنًا، ينزلون هذا الحكم العام-الذي يسمعونه من علماء المملكة العربية السّعودية في حق ملك المملكة العربيّة السّعوديّة-على رؤساء دولهم، علمًا بأنّ النّظام القائم في دول روسيا نظام علمانيٌّ محض، ولا يحكم فيها بشرع الله لا في كثيرٍ ولا في قليلٍ، ولا يؤمنون بالبيعة ولا يدعون الناس إليها، بل ربما ما سمعوا بها في حياتهم قط، فبعض الإخوة اعتماداً على قول بعض المشايخ أنّ الحاكم-ما دام مسلماً-ولايته صحيحة وهو حاكم شرعي، يجب له السمع والطاعة بالمعروف ويحرم الكلام عليه في العلن وذكر معايبه، بل يجب مدحه والثناء عليه، ينزلون هذا الحكم على رؤساء تلك الدول، لأن هؤلاء الرؤساء يعدّون أنفسهم مسلمين. فهل يسوغ لهم القيام بذلك؟ ويا ليتهم توقفوا عند هذا الحد فحسب، فاعتقدوا ذلك في قلوبهم ولأنفسهم، بل يلزمون جميع السلفيين بأن يعترفوا بصحة ولاية هؤلاء الرؤساء، ومن لم يعترف يُتّهم بأنه منحرف في منهجه وأنه حزبي متستر، فهل يجوز لهم هذا؟ وهل التوقف في حكم شرعية هؤلاء الحكام يُعَدُّ انحرافاً في المنهج؟ علماً بأن الإخوة لا يكفرونهم ولا يدعون إلى الخروج عليهم بل يقولون: (ينبغي طاعتهم في غير المعصية من باب المصلحة ودفع المفسدة). وهل من الخطأ حين نقول ينبغي أن نرجع في هذه القضية إلى العلماء ليفتوا لنا في تنزيل الحكم العام على المعين؟ بارك الله فيك!].

هذا نصُّ السؤالين، وإذا فكّكْنا محتواهما، نجد أبرز ما فيهما ثلاث نقاط:

1-السؤال يتعلق بحكام يعدّون أنفسهم مسلمين، لكن لا يحكمون بالشرع.

2-السؤال كان عن تنزيل فتاوى علماء السعودية في طاعة ولي الأمر على هؤلاء.

3-لم يكن السؤال عن التكفير ولا عن القتال، بل كان سؤالاً عن: اعتقاد صحة ولاية أولئك الحاكمين بغير الشرع وأن لهم السمع والطاعة، فهل التوقف في حكم شرعية هؤلاء الحكام يعد انحرافاً في المنهج؟

فلنقرأ الآن جواب سالم الطويل عن هذه التساؤلات، لنقارنه بعد ذلك بما صار يقوله لاحقاً ليضلل به العباد.

فبعد مقدمة نهى فيها عن الاختلاف والتفرّق قال:

[نصيحتي لكم ألا تلتفتوا إلى هؤلاء الذين هم في الحقيقة متحزبون، بدليل أنّهم يلزمون المسلم بمتابعتهم بكل رأي يذهبون إليه، فإما أنْ تقول بقولهم وتكون تابعاً لهم وإلا أخرجوك من السّلفيّة وضللوك وبدعوك، ثم يعلنون الحرب عليك وينفرون الناس منك، وبالمقابل يحسنون الظن بكل الناس، ويعذرون كلّ الناس ويتورعون عن الكلام في أطغى الناس، ولا تكاد تسمع لهم كلمة إلا في مَنْ نصبوه هدفاً لهم لينالوا منه وينهشوا في عرضه، بمناسبة وفي غير مناسبة.

فمثلاً إخواننا هؤلاء يطلبون منكم أنْ تعتقدوا أنَّ للعلمانيين بيعةً في أعناقكم وتسمعوا وتطيعوا لهم، وأن تثنوا عليهم وتحبّوهم وتوالوهم وتعادوا من أجلهم، وأن لا تنتقدوهم بالعلانية، وأن تظهروا محاسنهم، مع أنهم غالباً-إنْ كانوا مسلمين-تجدهم إما صوفيّة، أو حلوليّة، أو قبوريين!! سبحان الله!!

إخواني أرجو ألا يضركم شيء إذا لم تعتقدوا أنّ لهؤلاء بيعةً والحال كما ذكرتم، ولقد سمعت من الشيخ ربيع بن هادي المدخلي-حفظه الله تعالى-في إحدى زياراتي له في بيته في مكة يقول: (الحاكم إذا لم يحكم بالشريعة، ولم يَدْعُ إلى بيعته على الكتاب والسنة فلا بيعة له)، والحكام كما ذكرتموهم في رسالتكم أنهم لا يحكمون بالشرع مطلقاً وحكمهم علماني محض فعلى ماذا يبايعون؟

وقل لهؤلاء الإخوة يأتوا بكلام للعلماء بخصوص هؤلاء الحكام بأعيانهم إن كانوا صادقين. وقولوا لهم: نريد كلام الشيخ ربيع بن هادي المدخلي- حفظه الله تعالى -في مسألة بيعة الحكام الذين لا يلتزمون بالشرع بتاتاً، فحتماً هم عاجزون عن ذلك. أتدرون لماذا؟ لأن الشيخ ربيع يقول: (مثل هؤلاء لا بيعة لهم)، وإنما البيعة تكون لمن دعاكم لتبايعوه على الكتاب والسنة.

أقول: طالبوهم بالبينة عن الشيخ ربيع، وقولوا لهم مَنْ مِن العلماء بدّع من توقف في بيعة هؤلاء الحكام العلمانيين؟ فإن أصروا على تبديعكم وإخراجكم من السّلفية، وحكموا على كل من لم يعتقد البيعة بأنه متحزب متستر! أقول: فحينئذٍ ليس أمامكم إلا أن تقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، وأعرضوا عنهم وكأنهم غير موجودين، وادعوا الله لهم بالهداية والاستقامة واصبروا عليهم. ثم اعلموا أنكم ستجدون غيرهم يكفرونكم إن بايعتم أو حتى لمجرد أنكم لم تكفروهم! فهؤلاء بلاء وهؤلاء بلاء، فاصبروا وما صبركم إلا بالله]. ثم ختم بنصيحة نصحهم فيها بالصبر، وبالحرص على الدعوة والعلم. اهـ

فلننظر الآن في تفاصيل هذا الفتوى الطويليّة، لنجد أهم ما فيها ثلاثة أمورٍ:

1-الفتوى فيها تأصيل لقاعدة شرعية تقول: (الحاكم إذا لم يحكم بالشريعة، ولم يدع إلى بيعته على الكتاب والسنة فلا بيعة له). وهذه القاعدة تشبه الفتوى التي نقلناها عن اللجنة الدائمة للإفتاء، لكنها هنا من رواية سالم الطويل، عن شيخ طريقته ربيع المدخلي.

2-البيعة إنما تكون فقط لمن دعا الناس لمبايعته على الكتاب والسنة.

3-لا يجوز تبديع من لا يرى انعقاد البيعة لمن لا يحكم بالشريعة حتى لو كان مسلمًا، وعليه فلا يجوز امتحان الناس بطاعة مثل هذا، والذين يمتحنون الناس بذلك ليسوا سوى بلاءٍ يتعين الصبر عليه.

فإذا عرفنا أن هذا رأي الطويل عام 2014م، وأن القاعدة عنده وعند شيخه أنّ: (الحاكم إذا لم يحكم بالشريعة ولم يَدْعُ إلى بيعته على الكتاب والسنة فلا بيعة له)، وأن (البيعة إنما تكون لمن دعا لمبايعته على الكتاب والسنة)، فالسؤال بعد هذا التقعيد الشرعي: كم سيصفو للطويل ورهطه من الأنظمة الموجودة اليوم التي تحكم بالشرع وتدعو للبيعة على الكتاب والسّنّة؟

لن نذهب بسالم الطويل بعيدًا عن موطنه، بل سنبدأ بتنزيل كلامه على البلد الذي يعيش فيه ويعرفه حق المعرفة، فهل حكام بلده يحكمون بالشريعة، أو يدعون الناس إلى بيعتهم على الكتاب والسنة؟

الكويت ليست الأنموذج الأسوأ بين أنظمة الحكم القائمة في بلاد الإسلام، لكنّنا اخترناها لأنّا وجدنا لسالم الطويل كلامًا عن بيعة أميرها، يناقض فتواه لذلك المسلم الروسي، ومن المعلوم أن دولة الكويت دولة قائمة على دستور ليس فيه أيُّ إشارةٍ للحكم بالكتاب والسنة، وفيه نصٌّ واضح صريحٌ يشرح الأساس الذي تقوم عليه بيعة الحاكم وعلاقته بالمحكومين.

فالمادة السادسة من الدستور الكويتي تقول:

(نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور). وهذه المادة هي نفسها التي نراها دائماً في صدارة الدساتير العلمانية، فلا يوجد هنا شيءٌ اسمه حكمٌ بالشريعة. وتأكيدًا على ذلك تنص المادة (51) على أنّ [السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة وفقًا للدستور].

أما المبايعة على الكتاب والسّنة، فليس في الدستور الكويتي-أيضًا-رائحة ذلك، بل إن المادة (60) منه ذكرت نصّ اليمين الدستورية التي يقسم الأمير عليها، وهي: (أقسم بالله العظيم أن أحترم الدستور وقوانين الدولة، وأذود عن حريات الشعب وأمواله، وأصون استقلال الوطن وسلامة أراضيه).

فأين المبايعة على الكتاب والسّنة؟ وكيف سيطبق الطويل هنا قاعدة: (الحاكم إذا لم يحكم بالشريعة ولم يَدْعُ إلى بيعته على الكتاب والسنة، فلا بيعة له)؟!

ولأنا نعلم كيف يتصرف أعضاء مدرسة (النصف ساعة)، لم نكن نشك لحظةً أنّ الطويل سيختلق قاعدة أخرى ومنهجًا مختلفاً عندما يكون الكلام عن أمير بلده. وكذلك كان الأمر؛ فالطويل لم يخيب الظّنّ فيه، فببحثٍ يسيرٍ في الثرثرة الكثيرة التي ينشرها في منصة يوتيوب، عثرنا على تسجيل له نشره بعد فتوى روسيا بنحو خمس سنواتٍ، عنوانه: (هل لأمير الكويت بيعة شرعية؟)، ومن يسمع كلامه في هذا التسجيل سيقف على أبشع صور تحريف الدين والعبث بالأصول الشرعيّة.

فإذا عرفنا أن هذا رأي الطويل عام 2014م، وأن القاعدة عنده وعند شيخه أنّ: (الحاكم إذا لم يحكم بالشريعة ولم يَدْعُ إلى بيعته على الكتاب والسنة فلا بيعة له)، وأن (البيعة إنما تكون لمن دعا لمبايعته على الكتاب والسنة)، فالسؤال بعد هذا التقعيد الشرعي: كم سيصفو للطويل ورهطه من الأنظمة الموجودة اليوم التي تحكم بالشرع وتدعو للبيعة على الكتاب والسّنّة؟

فهو لما أراد أن يخرج من مشكلة تنحية الحكم بالشريعة في الكويت، قال:

[ما هو مفهوم تحكيم الشريعة؟..أليس في بلادنا: الصلاة قائمة وينادى لها، والمساجد مبنية ومفتوحة، ولها أوقاف، ولها أئمة ومؤذنون؟]

[فيه واحد يقول لك: لا تقول: (لا إله إلا الله)؟ فيه واحد من حكامنا ما يقول: (لا إله إلا الله)؟ فيه واحد يقول: اللي يقول (لا إله إلا الله) أضرب عنقه؟].

[فيه واحد يقول لك: (لا تصلي)]. [الصيام: يعلنون دخول رمضان وخروجه، الحج والعمرة لها وزارة، الزكاة لها بيت زكاة].

بهذه الطريقة فسر الطويل معنى الحكم بالشريعة، في مسلكٍ يشبه مسلك المغضوب عليهم والضالين في تحريف أديانهم؛ فالطويل يفهم جيدًا معنى الحكم بالشريعة، ويدرك أن معنى ذلك أن تكون شريعة الإسلام هي المصدر الحاكم لتشريعات الدولة والمرجع الذي يعود إليه الحاكم والمحكوم عند التنازع، لكن لأنّ الطويل يدرك حقيقة الحال، فقد اختار التلون والتحريف، وليت شعري ما الذي سيقوله ذاك السائل الروسي لو قرأ كلامه هذا، فالحكام الذين كان يسأل عنهم الروسي هم-أيضًا-يقولون: (لا إله إلا الله)، وليس فيهم من يقول: (اللي يقول: لا إله إلا الله، أضرب عنقه)، والصلاة في بلادهم ينادى بها، والمساجد مبنية ومفتوحة، ورمضان يعلن دخوله وخروجه، فلماذا أفتى الطويل بأنّ بيعة أولئك الحكام غير شرعية؟!

ما يعلمه الطويل جيدًا أنّ الأمير في الكويت لا يملك حقًا قانونيًّا في منع المسلم من الصلاة، كما لا يملك حق منع اليهودي والنصراني والهندوسي والبوذي من ممارسة دينه، والسبب في ذلك أنّ شعائر الأديان كلها-وليس الإسلام وحده-محمية بموجب الدستور الكويتي الذي ينص في المادة (35) على أنّ: [حرية الاعتقاد مطلقة، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقًا للعادات المرعية، على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب]، فهل هذا معنى الحكم بالشريعة؟!

وكعادة أعضاء مدرسة (النصف ساعة)، فإنّ الطويل بعدما لعب وعبث بمفهوم تحكيم الشريعة، انتقل للطريقة القذرة التي يحسنها أرباب مدرسته، وهي طريقة التحريض على الدعاة والمصلحين في شيءٍ يعلم هو جيدًا أنه موقفٌ يتماشى مع سبق أن أفتى به ذلك السائل الروسي، ويتماشى مع ما سبق أن نقله هو عن شيخه ربيعٍ؛ فبعدما كان ينتقد من يمتحن الناس في اعتقاد صحة بيعة من لا يحكم بالشرع، نراه في ذلك التسجيل يوجه خطابه إلى مجموعة من أهل العلم والدعوة في الكويت، فيذكرهم واحدًا واحدًا بأسمائهم، ويناديهم مطالبًا إياهم بإعلان أن في أعناقهم بيعةً لأمير الكويت الذي يعلم الطويل أنّه لم يَدْعُ الناس أصلًا إلى بيعته على الكتاب والسنة، فأمير الكويت نفسه لا يطلب من الناس اعتقاد صحة بيعته دينًا وشرعًا، هو يريد منهم فقط: الإقرار أن بيعته صحيحةٌ قانونًا موافقةٌ للدستور لا أكثر من ذلك.

هذا التلوّن والتحريف الذي مارسه سالم الطويل هنا ليس مسلكًا استثنائيًّا، بل هو عادة مستمرّة عنده وعند إخوانه من حزب (النصف) الذين شابهوا أهل الكتاب في تبديل الدين، وتحريف الكلم عن مواضعه. وما على من يريد التحقق من ذلك إلا أن يأخذ قضيةً من القضايا الكبرى التي يشترك في ممارستها الحاكم وغيره، وسيرى حينها كيف يختلف رأي سالم الطويل تبعًا لاختلاف الجهة التي يتحدث عنها.

فالطويل-مثلًا-له حديثٌ كثيرٌ يملأ الفيافي في نقد من يدعون للديمقراطية، وكثيرًا ما يصفها بأنها نظامٌ علمانيٌّ، لكنّ كلامه هذا يأتي عادةً في سياق نقد نواب مجلس الأمة الكويتي المنادين بالديمقراطية، ويوجد له تسجيل مرفوع على منصة يوتيوب، عنوانه: (هل صحيح أنّ الشعب مصدر السلطات)، ذكر فيه أنّ هذه [كلمةٌ قبيحةٌ وباطلةٌ]، ثم انتقد نواب مجلس الأمة الذين يرددون هذه العبارة، وذكر أنّه [جاءته قشعريرة] وهو يسمع أحدهم يقول: (أنا مشرع، أنا مشرع)، بل ذكر أنه لا فرق بين ذلك وبين أن يقول النائب: (أنا المعبود)!

هنا نجد الطويل مندفعًا بلا مكابح في استشناع عبارة [الشعب مصدر السلطة] والسبب أن كلامه موجه إلى نواب مجلس الأمة، فالنائب إذا قال: (أنا مشرع)، فهو عند الطويل مثل من يقول: (أنا المعبود)، أما حين يكون الكلام عن الأمير الذي يقسم على حماية دستورٍ يقرر أنَّ الأمة هي المعبود، وأنه الأمير ومجلس الأمة أصحاب السلطة التشريعية كما في المادة (51)، ففي مثل هذا المقام لا يقشعر جلد الطويل، بل نراه يصرف الكلام إلى المساجد المفتوحة، وإلى الأمير الذي يعلن دخول شهر رمضان وخروجه ولا يضرب عنق المسلم إذا قال: (لا إله إلا الله)!

في خاتمة هذا المقال كأني بعاقلٍ حصيفٍ يقرأ كلامي هذا ويتساءل عن جدوى التشاغل بما يذكره أمثال الطويل، فليعلم العقلاء أن الغرض من مثل هذا المقال أمران:

الأمر الأول: أن يفهم عموم الناس أن هذه المدرسة وإن خلطت طرحها ببعض الشبهات العلميّة، فإن أساسها قائمٌ على التحريف والتبديل والتلاعب بأصول الشرع، وأنّ من الخطأ الفادح تحميل مذهب السلف تلاعب هؤلاء وعبثهم.

الأمر الثاني: أن يتنبّه الجيل الجديد من المخدوعين بتلك المدرسة إلى الأصول الشرعية السلفية الصحيحة الذي تظهر على فلتات ألسنة شيوخهم، نتيجة ما عرفوه وتربوا عليه قبل أن يبدلوا ويحرفوا وينكصوا على أعقابهم. وهذا ما سنزيده إيضاحًا في مقالاتٍ قريبةٍ إن شاء الله.