العودة للأصول قوة فلماذا السعودية تتنصل؟

يقولون: «يذهب إلى الحج والناس راجعون»، فهل هذا ماتفعله الحكومة السعودية الآن!

يتحول العالم باتجاه اليمين، بل اليمين المتطرف، ويلجأ كل شعب إلى أصوله يتحصن بها ضد الوافد عليها من أفكار، أو تحشد بها الحكومات جيوشها وشعوبها خلف قضايا دينية وأصولية، بينما السعودية تغرد خارج هذا السرب المتنامي.

فـ«إسرائيل» تأسست منذ سبعين عامًا على أرض فلسطين المغصوبة على فكرة الصهيونية التي نشأت وترعرعت في بيئة علمانية تناقض ما كان يؤمن به حاخامات ذلك الوقت من ضرورة البقاء في كنتونات في أوروبا وإفريقيا وآسيا، رافضين فكرة الدولة التي آمن بها العلماني هيرتزل ورفاقه، ونفذوها ثم اتخذوا لها مسوِّغات دينية فيما بعد.

وظلت الهند لستين عامًا تدعي أنها تؤمن بهند للجميع، وحافظت على بعض الخصوصيات للمجموعات الدينية فيها، وحاولت أن تظهر – بخلاف الواقع – أنها تقف على مسافة واحدة من كل «الأديان»، رغم اضطهادها للمسلمين دون سواهم.

وهكذا فعلت أمريكا وبريطانيا وفرنسا، رغم أن الدين بقي محركًا لأطماع النخبة الحاكمة، إلا أن خطابها الشعبي ظل علمانيًّا يفصل الدين عن الدولة، مظهرًا بعض الاحترام لجميع الأديان والمعتقدات والأفكار.

يتحول العالم باتجاه اليمين، بل اليمين المتطرف، ويلجأ كل شعب إلى أصوله يتحصن بها ضد الوافد عليها من أفكار، أو تحشد بها الحكومات جيوشها وشعوبها خلف قضايا دينية وأصولية، بينما السعودية تغرد خارج هذا السرب المتنامي.

وفي مقابل هذا، نشأت المملكة العربية السعودية في دولتيها الأولى والثانية على أسس دينية، وحاولت أن تحافظ على شيء من هذا في دولتها الثالثة، لإيمانها أن لا أساس يمكن أن يوحد هذه الصحراء المترامية الأطراف، وتلك القبائل غير المتناغمة إلا الدين، ولا شيء سواه. وهكذا آمن المؤسس وتبعه فريق من أبنائه الحكماء.

بيد أن كل هؤلاء، سعوا إلى أن يعودوا للأصل، ومن كان يخفي «أصوليته» كشفها، بل وفاخر بها، عدا السعودية التي تسير في اتجاه معاكس.

كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، التي تتفاخر دائمًا بصليبها، تصرح في ٣٠ مارس السابق، بلا أدنى مواربة أن “الولايات المتحدة دولة أسست منذ ٢٥٠ سنة على أساس مسيحي يهودي”. وعندما أوشك رئيسها ترامب أن يخوض حربه على إيران، اجتمع حوله قساوسة وسياسيون «يباركونه ويصلون لأجل نصره الديني».

أما الولايات المتحدة، الدولة العلمانية، والديمقراطية الأشد عدوانية في العالم، فحينما اختارت لحربها اسمًا لم تجد إلا «الغضب الملحمي»، يتحدث بعدها ساستها وإعلاميوها عن «هرمجدون» هذه «الملحمة التي يتجلى فيها غضب الرب»؛ فهل نحن أمام مجرد اسم دعائي، أم أمام لغة تستحضر إرثًا دينيًّا وتاريخيًّا أقدم بكثير من الحروب الحديثة؟ تعد بالذاكرة الدينية البروتستانتية إلى «الكتاب المقدس» بعهديه، لدى اليهود والمسيحيين معًا، كمثل عودته إلى هذا النص الذي يتحدث عن الشر المستجلب لغض الرب (الشر الإيراني المستجلب للغضب الرباني المتمثل في الهجوم الأمريكي، كما يزعمون)!

 فالغضب الرباني كما يشرح الأحبار والرهبان، هو سخط على «الشرِّ»، مستوحيًا من النص: “اسكب غضبك على الأمم التي تعرفك وعلى العشائر التي لم تدع باسمك” (سفر إرميا 10: 24).

«غضب الرب»، و«الملحمة» كلمتان تقويان من عزيمة الجنود وتشحذان همم المتدينين للوقوف خلف القيادة التي تمنحهم فرصة المشاركة في هذا «العمل الأخلاقي الديني»، وتستشعر معها أن كل جريمة ترتكب وكل فظاعة تقترف ليست من صنع البشر، إنما هو تجسيد لغضب الرب، فإذا ما غضب الرب فليس للعبد أن يراجعه، حاشا لله!

و«إسرائيل»، اختارت اسم عمليتها، وهو «الأسد الصاعد»، استلهامًا من النص التوراتي الذي يقول: “شعب كالأسد يقوم.. وكالليث يشرئب.. لا ينام حتى يأكل فريسته ومن دم ضحاياه يشرب”.

وإيران، تحشد أجنادها وشعبها خلف قضية دينية هي الأخرى، وتستخدم عبارات ونصوص مستوحاة من تراثها الديني الشيعي.

أما الولايات المتحدة، الدولة العلمانية، والديمقراطية الأشد عدوانية في العالم، فحينما اختارت لحربها اسمًا لم تجد إلا «الغضب الملحمي»، يتحدث بعدها ساستها وإعلاميوها عن «هرمجدون» هذه «الملحمة التي يتجلى فيها غضب الرب»؛ فهل نحن أمام مجرد اسم دعائي، أم أمام لغة تستحضر إرثًا دينيًّا وتاريخيًّا أقدم بكثير من الحروب الحديثة؟

هذا في قلب المعركة، أما في الدول الأوروبية والأسيوية، فحدث بلا حرج عن اليمين المتشدد الصاعد في أوروبا، وعن الهند التي تزداد إيمانًا بالدولة الهندوسية الكبرى التي تتسع جغرافيا وتضيق عن أهل الهند وما حولها من المسلمين والمسيحيين والسيخ!

أما النظام السعودي، فقد أسلم الدفة لتركي آل الشيخ، وأمثاله في تمييع شبابها وأخذهم بعيدًا عن دينهم وعقيدتهم، وثلة من المطبلين والمرتزقة من شيوخ البلاط وبلاعيمه، ليأخذوا الشعب السعودي عن إرثه العظيم العلمي والجهادي في الإسلام، والنخوة والمروءة والشجاعة في جاهليته الأولى! وإذ يلجأ كل شعب وقوم لدينه طلبًا للنصرة والقدرة على الممانعة والجهوزية والشجاعة، تسير الحكومة السعودية إلى درك الشقاء، وإذا كان الأحبار والرهبان والقساوسة والملالي هم من يقودون المعركة الآن؛ فإن السعودية تسير في طريق إهانة وتعذيب وسجن علمائها، ثم ترجو نوالًا ورفعة. هيهات هيهات لما تأملون!