وقف الوفد السعودي في هدوء يناسب هيبة الجنائز، فيما تلا القارئ أمامهم الآية 13 من سورة آل عمران: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ واللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}، في واحدة من المفاجآت التي أرهقت التفكير التحليلي في قراءتها؛ فلقد اختارت إيران أن يتلو قارئها آية قرآنية واحدة في استقبال كل وفد دبلوماسي حضر لتقديم العزاء في المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، الذي قتلته الولايات المتحدة الأمريكية في اليوم الأول من الحرب، في ٢٨ فبراير الماضي.
أُطلق على هذا الاختيار المقصود للآيات في الأوساط الإعلامية اسم «دبلوماسية الآيات»، وبغض النظر عن سلامة هذه التسمية من خطئها؛ فإن هذا التقصد الذي حاولت الرياض المرور عليه مرور الكرام، وتجاهله تمامًا مثَّل عارًا لا يقل شنارًا عن سقوط الصواريخ الإيرانية أثناء الحرب فوق المواقع السعودية الاقتصادية والعسكرية الاستراتيجية دون أدنى رد يحفظ ماء الوجه!
تملصت الخارجية السعودية، بل كل الدولة السعودية من هذا التعريض القاسي بالسعودية على رؤوس الأشهاد في مشهد مذلٍّ، لوفد جاء مستجديًا بالعزاء؛ فقيل لهم في وجوههم عبر الآيات: جئتم تُعزون أيها الكفرة! ولا يحق للرياض أن تتملص من هكذا تعريض، فالآيات التي تليت أمام وفود أخرى خير شاهد على أن طهران تعي جيدًا ما تقول، وتبوح به حرفًا حرفًا ورسالة تتلوها أخرى!
تُليت أمام وفد «حزب الله» اللبناني الآية 56 من سورة المائدة: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}.
ولا تفسير لها سوى ما تعتقده إيران في حزبها التي هي من اختارت له هذا الاسم المفعم بالقداسة والبهاء، فلا أحد يمكنه أن يزعم أن القارئ قد تلا تلك الآية الكريمة بشكل عشوائي أو أن طهران لم تقصد بتلميحاتها وتصريحاتها شيئًا، ولا أحد يمكنه الادعاء بأن وفد حركة حمـ.ــاس الذي جاء فتوقف أمام القارئ لم يفهم من الآية 23 من سورة الأحزاب التي تُليت أمامه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}، غير أن طهران ما أرادت إلا أن تربت على كتفيه معزيًا بأننا شركاء معًا في «الشهادة» وأننا نثمن تضحيات الحركة في «طوفان الأقصى».
ولعل أنقرة قد فهمت المغزى من تلاوة جزء من الآية 95 من سورة النساء أمام وفدها: {فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً}، وبما أن الآية قد بشَّرت بأن كلٍ قد وعدهم الله الحسنى، فلم تجزع من هذا العتاب ووصف «القاعدين»، لكن ما يعني السعودية، بلاد الحرمين شأن آخر عظيم.
تملصت الخارجية السعودية، بل كل الدولة السعودية من هذا التعريض القاسي بالسعودية على رؤوس الأشهاد في مشهد مذلٍّ، لوفد جاء مستجديًا بالعزاء؛ فقيل لهم في وجوههم عبر الآيات: جئتم تُعزون أيها الكفرة! ولا يحق للرياض أن تتملص من هكذا تعريض، فالآيات التي تليت أمام وفود أخرى خير شاهد على أن طهران تعي جيدًا ما تقول، وتبوح به حرفًا حرفًا ورسالة تتلوها أخرى!
في الأدبيات الشيعية الإيرانية، لم يفتر الملالي في إيران والعراق من وصف السعودية، التي كان يستند حكمها إلى «عقيدة السلف»، متخذة موقفًا حادًّا من الشيعة، مشجعة على أن يقول كبار علمائها ودعاتها وشيوخها في «المعتقدات الشيعية» ما تستريح له ضمائرهم وما ينتهي إليه عندهم الحكم الشرعي الصحيح، وهم يعلمون جيدًا أن الوصف الذي يُبطنه شيعة إيران للسنة عمومًا هو وصف «النواصب»، ويظهرون ويخصون به تحديدًا أهل السعودية حكامًا ومحكومين.
وها هو الوفد قد جاء الوفد السعودي متوسلًا بالعزاء بعد الهزيمة الأمريكية ليسمع بأذنيه من قارئ لا يبتعد خطوات عنه أن السعودية التي تحتضن قواعد أمريكية شن الأمريكيون قسمًا من غاراتهم انطلاقًا منها إنما هم «كفار»، في فئة لاقت «المؤمنين» في قتال يقاتل فيه الإيرانيون «في سبيل الله» في مقابل فئة أخرى «كافرة».
السؤال: هل الخارجية السعودية مقتنعة بأنها في فئة كافرة وراضية عن هذا التوصيف، أما أنها خانعة، وابتلعت لسانها جبنًا وانكسارًا؟!!