حزب «الصراصير» فرع السعودية!

أن تستخف بالشباب الغاضب، هذا من أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض السياسيين عندما يستبد بهم الكبرياء والاستعلاء، فكم من كلمة هازئة سكبت الزيوت على النيران، فحولت الغضب إلى انتفاضة عارمة.

وما حصل في الهند منتصف شهر مايو خير دليل على أن المسؤولين حينما يتعالون على شعوبهم، يُستدرجون إلى ما يقلب على نظمهم الطاولة من وقع استخفافهم بالجماهير ووصفها بكل قبيح، وتحميلها فاتورة الفشل التي تقع فيه تلك الأنظمة، فهذا يتهم شعبه بأنه المسؤول عن التردي الاقتصادي بسبب كثرة النسل، وذاك يصفهم بالاتكالية والكسل، وثالث يلقي باللائمة على جهلهم وقلة وعيهم، ورابع وخامس.. وهلم جرَّا.

وهذا هو نفس ما وقع فيه رئيس المحكمة العليا القاضي سوريا، الذي وصف في جلسة علنية جماعات من الشباب بـ«الطفيليات» و«الصراصير»، الذين فشلوا في الحصول على وظائف لكنهم دأبوا على توجيه سخطهم وانتقاداتهم للنظام على مواقع التواصل الاجتماعي. ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والتوتر السياسي والإرهاب الهندوسي الذي أحدث فتنًا كثيرة في البلاد، بعد سنوات طويلة من حكم حزب «بهاراتيا جاناتا» بقيادة مودي، ثارت ثائرة الشباب.

وبعد ساعات من تصريحات رئيس المحكمة، نشر شاب هندي يدعى أبهيجيت ديبكي تدوينة ساخرة على منصة «إكس» كتب فيها: “ماذا لو اجتمعت كل الصراصير معاً؟”. وما هي إلا بضعة أيام، من بدء ديبكي البالغ من العمر ٣٠ عامًا وخريج العلاقات العامة من جامعة بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية، حملة لرص صفوف «الصراصير» من خلال حساب ساخر، حتى نجح في ضم نحو ٢١ مليون ساخط إلى حساب حزبه الجديد «حزب الصراصير»!

مئات، بل ربما آلاف من الرسوم الساخرة لهذا الحزب، وجموعه الغفيرة طغت على الساحة الهندية، وشكلت تهديدًا حقيقيًّا للنظام الهندي، ولحزبه الحاكم الذي لا يضم حسابه أكثر من ٩ ملايين متابع فقط. خرج حزب بهاراتيا جاناتا من جولة انتخابية أولى في بضع ولايات، حقق نجاحات نوعية في اثنتين منها، وتجاوز حزبي المؤتمر المنافسين، لكنه لم يتصور أن يأتيه التهديد من «حزب الصراصير»!

في السعودية، تعاملت السلطات برعونة مماثلة مع غضبة الشباب بسبب البطالة، وهو السبب نفسه الذي أدى لهذا التطور في الهند، وسبقه أحداث يعرفها الجميع، في كل من بنغلاديش ونيبال وغيرها عندما استثير جيل زد، فأحدث غضبه دويًّا وتغييرًا كبيرًا.

احتج شباب عاطلون على البطالة في السعودية وتعيين من لا يستحق من الغربيين في مناصب ذات رواتب فلكية، فلاحقتهم السلطات، وخرج وزير الإعلام سلمان الدوسري ليقول معلقًا على استدعاء عشرات الشباب للتحقيق معهم: “إن الحكومة ترحب بـ “النقد الموضوعي”، إلا أنها استدعت أولئك الذين انخرطوا في أعمال “تحريض وتضليل” للرأي العام. مؤكدًا أن القوانين واللوائح المعمول بها “واضحة للغاية”!لا «النقد الموضوعي» معروفة قنواته المشروعة، ولا «التحريض والتضليل» معلوم حدوده وتوصيفاته، ولا القوانين واللوائح «واضحة للغاية»، فأي استخفاف هذا الذي يُقابل به النقد لمسألة حياتية بسيطة، فلا الشباب تحدثوا عن الميزانية المجهولة، ولا تدخلوا في السياسة، ولا اعترضوا على «ولاة الأمر»، فكيف يُقابل هذا بذاك؟!

في السعودية، تعاملت السلطات برعونة مماثلة مع غضبة الشباب بسبب البطالة، وهو السبب نفسه الذي أدى لهذا التطور في الهند، وسبقه أحداث يعرفها الجميع، في كل من بنغلاديش ونيبال وغيرها عندما استثير جيل زد، فأحدث غضبه دويًّا وتغييرًا كبيرًا.

هذه الطرق في معالجة مشكلات حقيقية، وتلك السخرية من أنَّات حشود العاطلين عن العمل، ممن تزداد نسبتهم عامًا بعد عام، بعكس ما تفيد به الإحصاءات الرسمية المغلوطة، هي التي تؤجج المشاعر وتزيد الطين بلة، وتشعل الأجواء، ولا غير التصالح مع الشعوب والمصارحة والمكاشفة وفتح صفحات جديدة مع الناس، سيكون مجديًا، خصوصًا مع ما تموج به الأحداث، التي تجعل كل حكيم يفكر في مصالح بلده وإرضاء شعبه لا حكام واشنطن!