ذرائع تدويل الحرمين: التفريق والتفريط والتسييس

الواجب على من يقوم بأمر الحرمين وهما وقف على المسلمين جميعًا أن يراعي فيهما الأصلح للمسلمين، وأن ييسر الوصول إليهما، وأن يجعلهما مواضع أمان لا خوف، من دخلهما كان آمنًا لا خائفًا! وكان المجرم بحق، المطلوب في جريرة، يفزع إلى الحرم فيؤمن، واليوم يأتيه البريء المصلح، والمجاهد الصالح، فلا يأمن! والمقصود لا بد في الحرمين من الأمن، وحفظ كرامة المؤمن، ولا بد من تيسير المناسك وإقامتها على خير الوجوه،وزيادة أعداد ضيوف الرحمن بما يتلاءم مع التوسعات والإمكانيات الجديدة، وهذه أهم الوظائف التي يجب أن يتحقق بها من يدير البلد الحرام.

وواجب فيهما أن تُجعلا جامعتين إسلاميتين فلا يفرق فيهما بين مسلم ومسلم، بل يجب أن تتجاوز فيهما الشؤون القُطرية، والحدود الموهمة التي ميزت بين الناس. فبقاء السعودي من غير أهلهما فيها كبقاء أي آفاقي آخر، وشأنه شأنهم وأمره أمرهم؛ فلا تمييز فيهما بناء على جنس، ولا جنسية!

والحق أنه لا فضل لقادم من نجد على قادم من مسافة مقاربة أو أبعد أو أقرب، كالقادم من أطراف اليمن، أو الأردن، أو بورتسودان! وقد وصل بالسكة الحديدية الحجاز بالشام قبل أن يوصل بالرياض. بل الأبعد القادم من الهند أو ماليزيا أو الصين من حقه أن يقدم ويقدر ويعان لما تجشمه من بعد الشقة، ومؤونتها فيكرم إكرام الضيف، ويعامل معاملة وفود الملوك بل وفد ملك الملوك عز وجل. لا أن يقال: ضيوف الرحمن! ثم يستخف بأحدهم أو يهان!

وأي تضييق على الناس في هذه البقعة المباركة التي جعلها الله مهوى أفئدة المسلمين كافة لا يقبل، ويعيد ساعة التاريخ إلى الوراء، أيام الشريف علي بن الحسين!

ومحاذرة ذلك من مصلحة البلاد والناس، فأي توظيف سياسي للحرمين، و أي معاملة غير كريمة تهل بطمأنينة الوفد المبارك، في البلد الحرام، الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا، وأي تضييق مالي بفرض جبايات أو رأسملة المناسك، وجعل تكاليفها عالية على الحجاج أو المعتمرين، وأي تغيير لنمط الحياة بحيث ترتفع المعيشة فيهما لتدر دخلًا إضافيًّا على الدولة، كل ذلك ينبغي أن يرفض ويعلم أنه ليس في صالح البلاد.

وقد رفض الناس قديما تحكمات شريف مكة، وقدحوا فيه بها، حتى قال شوقي في قصيدته التي مطلعها:

ضَجَّ الحِجازُ وَضَجَّ البَيتُ وَالحَرَمُ

وَاستَصرَخَت رَبَّها في مَكَّةَ الأُمَمُ

قال محرضًا على ما رآه مظالمًا للشريف:

يَدُ الشَريفِ عَلى أَيدي الوُلاةِ عَلَت

وَنَعلُهُ دونَ رُكنِ البَيتِ تُستَلَمُ

نَيرونُ إِن قيسَ في بابِ الطُغاةِ بِهِ

مُبالَغٌ فيهِ وَالحَجّاجُ مُتَّهَمُ

أَدِّبهُ أَدِّب أَميرَ المُؤمِنينَ فَما

في العَفوِ عَن فاسِقٍ فَضلٌ وَلا كَرَمُ

لا تَرجُ فيهِ وَقارًا لِلرَسولِ فَما

بَينَ البُغاةِ وَبَينَ المُصطَفى رَحِمُ

وكان من فطنة الملك عبد العزيز رحمه الله أن كسب العالم الإسلامي بتيسيراته أمور الحرمين، وتأمين طرقهما، والتخفيف على قاصديهما، في وقت كان الأمر بالضد في حكومة الحجاز. ففي بعض السنوات، قُيّد الحج، ومنع الشريفُ نزول الحجاج جدة، وكانت رابغ بيد عبد العزيز فأعلن فتحها للحجيج وأن السبيل ميسر منها إلى مكة!

فكان الشريف إذا منع، سهل عبد العزيز الوصول ليحرجه! وإذا جبى شنع عليه، وإذا تحكم دعا عبد العزيز لتدويل الحرمين!

فأي توظيف سياسي للحرمين، و أي معاملة غير كريمة تهل بطمأنينة الوفد المبارك، في البلد الحرام، الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا، وأي تضييق مالي بفرض جبايات أو رأسملة المناسك، وجعل تكاليفها عالية على الحجاج أو المعتمرين، وأي تغيير لنمط الحياة بحيث ترتفع المعيشة فيهما لتدر دخلًا إضافيًّا على الدولة، كل ذلك ينبغي أن يرفض ويعلم أنه ليس في صالح البلاد.

ولعل أول من دعى لتدويل الحرمين، هو الملك عبد العزيز، نشرت مجلة الزهراء في عدد ربيع ١٣٤٤هـ، هذا الخبر:

“أرسل الامام عبد العزيز بن سعود سلطان نجد كتبًا إلى رؤساء حكومات مصر وتركيا والعراق والأفغان وإيران يدعوهم بها إلى الاشتراك في عقد، مؤتمر إسلامي بمكة المكرمة للنظر في المبدأين الآتيين:

١- أن يكون الحجاز للحجازيين من جهة الحكم، وللعالم الإسلامي من جهة الحقوق المقدسة التي له هناك.

٢- استفتاء الحجازيين في اختيار حاكم لهم تحت إشراف مندوبي العالم الاسلامي بالشروط التالية:

أ. أن تكون الشريعة الإسلامية السلطان الأول والمرجع للناس كافة.

ب. وأن تكون حكومة الحجاز مستقلة في داخليتها، على أن لا تحارب أحدًا، وأن لا تعقد اتفاقات سياسية مع أية دولة، وأن لا تعقد اتفاقات اقتصادية مع دولة غير إسلامية.

ج. وأن يتولى مندوبو الأمم الإسلامية تحديد حدود الحجاز ووضع النظم المالية والقضائية والإدارية لتلك البلاد المقدسة.

د. يحدد عدد مندوبي الأمم الإسلامية باعتبار المركز الذي تشغله كل دولة في العالم الإسلامي والعربي، وينضم إليهم ثلاثة مندوبين من جمعية الخلافة وجماعة أهل الحديث وجمعية العلماء في الهند”.

ثم لما استقر الأمر لعبد العزيز زاد طمأنينة الناس فبسط الخدمات، ومنع الجبايات والمكوس، ويسر الطرق وجعل في الحرمين خير المقرئين، من أمثال:الشيخ عبد الله بن أحمد بن عبد الله أبو الخير، وكان أصله أفغانيًّا، من آل مرداد، وكان في الحرم من آل مرداد اثنان غيره أو أكثر.والشيخ عمر بن محمد الكردي.والشيخ عبد الله بن إبراهيم بن حمدوه سوداني.والشيخ سعيد يماني، وكان بعده ولده محمد، ومن أهل اليمن أيضًا إمام من باجنيد.وخليفة النبهاني بحريني، والدكالي المغربي.وتولى من مصر نحو ثلاثة أئمة بل أكثر منهم عبد الظاهر أبو السمح، وولده عبد الرحمن، وعبد المهيمن أبو السمح، ومحمد عبد الرزاق.إلى آخرين من أقطار أخرى.وكان نصيب الأسد لأهل البلد الحرام وهم أهل الحجاز لا غير.

وكان مع ذلك الحج ميسرًا، فالطرق مؤمنة، منى مناخ من سبق، ولا ضرائب أو مكوس وجبايات، فلا نهب مسلح، ولا نهب منظم! ثم تراجع ذلك شيئًا فشيئًا، ولكن بصورة مقننة منظمة. صودرت بموجبها أملاك، تطاول المستثمرون بعدها في البنيان، وزادت تبعًا لذلك تكاليف على الحاج والمعتمر.. وانظر كم كان سعر الحملة قديمًا وكم كانت تكلفة الحج، وبكم غدت! وكما دخل شرط السعودة الدنيا (المستثمر)، دخل الوظائف الدينية (أئمة الحرم)، وقل قراء الحجاز في الحرمين، على حساب مناطق أخرى.

ونحن لا ننكر أن في نجد وغيرها من أرجاء البلاد قراء مُجيدين، ولكن في العالم الإسلامي من هم أكثر تجويدًا، وفي الحرمين من الأئمة من ليس بذاك.وقل مثل ذلك في الخطباء الجمع والمواسم، نمرة، والخيف، وعموم مكة. وقل مثل ذلك في المدرسين بهما.بل في السعودية نفسها من هم أحق وأولى بالدرس والمحاضرة والخطابة والإمامة في الحرمين، وهم ما بين مبعد وسجين! بل قد عُزل مجيدون كتب لهم في الحرمين قبول، ألم يسجن آل طالب؟ ألم يعزل الشريم؟ ألم يعف أحمد بن طالب!

ثم قدم من يساعد على تسيس المنبر، ويثني في الصلاة على ظالم، وولي بسبب ذلك من لم يُعرف له تأهل!وغدا الحج بلا تصريح كالجنحة الجنائية! وغايته أن يكون مسألة تنظيمية اجتهادية لو يسرت الأمور وقلت التكاليف! فاليوم لا حج بلا تصريح جعل كالنص يؤثم بموجبه ويعزر! ثم المصرح لهم قد يعاملهم بعض العسكر بخلاف الرفق، وواجب الإكرام لضيوف الرحمن.

وأما حكم الحجاز فبيد غير الحجازيين منذ عقوده الأولى.فكل ما كان أول الأمر تقهقر! أخشى إن تواصل أن يظهر عبد العزيز آخر، فيدعو لتدويل الحرمين! ثم يتمكن منهما.

فاستقيموا واعتدلوا وأعيدوا سيرتكم الأولى يرحمكم الله.