الاشتغال السياسي والعلم الشرعي

ثمة مقالة أخذت حظًّا من الانتشار بين بعض المنتسبين للعلم الشرعي أو الدعوة الإسلامية، وتلخص موقفًا مشمئزًا من القضايا السياسية، حيث تقول: إن العالم الشرعي وطالب العلم لا يشتغل بالسياسة، ولا يُعلِّق عليها ولا يتابع أخبارها، فهي من شؤون الساسة وحدهم، والعلم بالشريعة له طريق آخر لا يصاحب السياسة ولا يقاربها!

تُضمر هذه المقالة تأثيرًا مزدوجًا لسطوة السياسي في إخضاع المتدين الضعيف من جهة، وسطوة الفلسفة العلمانية في فصل السياسة عن الدين من جهة أخرى، فما أقرب مسلك شيوخ المنهجية العلمية الذين يرون القوة في ترديد المتون المجردة عن الواقع، ويرون الضعف في الكلام عن الوقائع السياسية! ما أقرب مسلكهم ذلك للشعار العلماني الشهير الذي يسوِّغ إقصاء الدين عن السياسة بالقول: إن الدين طاهر والسياسة نجسة، والطاهر مُنزَّه عن مقارفة النجاسة أو مداخلتها، يداعبون بذلك أحلام المتدين السطحي!

ولا ريب أن الدنيا كلها مليئة بالنجاسات، وليست السياسة فحسب، غير أن دين الله أتى ليطهرها ويزكيها، وكلما دخل في أمر زكاه وباركه، وكلما أُقصِي عن أمر زادت نجاسته وأذاه!

وبعض أولئك “العلميين” من الشيوخ لم يتأثر بهذه الفلسفة في صياغة موقفه المحاذر للسياسة ومقاربتها، غير أن ما أثر فيه حقًّا سطوة الساسة الذين منعوا الحديث فيها، وآذوا عبادالله الصالحين وسجنوهم، فوجد أن في العلم هامشًا متاحًا لتبليغ دين الله وأن في السياسة إعاقة لهذا التبليغ، ثم لم تلبث قناعته أن خضعت لهذا الواقع المشوه، فقال بما قال.

وشرُّ من قال بهذه المقالة ولاكها: دهاقنة التحريف لدين الله من أتباع الساسة وأوباشهم، من غلاة الطاعة ومن لفَّ لفيفهم، الذين سوَّغوا هذه المقالة ليجعلوا لأسيادهم حرية العبث بقرارات الأمة ومصائرها دون رقابة من شرع ولا إنكار من مسلم!

ولا ريب أن الدنيا كلها مليئة بالنجاسات، وليست السياسة فحسب، غير أن دين الله أتى ليطهرها ويزكيها، وكلما دخل في أمر زكاه وباركه، وكلما أُقصِي عن أمر زادت نجاسته وأذاه!

ومن خير ما يعين على تفكيك هذه المقالة وفهمها في ضوء ما قدمناه: مقارنة العلم الشرعي في علاقته بشتى مناحي الحياة بما قالوه في علاقته بالسياسة، فهل يقول عالم شرعي: إن العلم الشرعي لا يتطرق لقضايا الاقتصاد والمعاملات، فمن المعيب أن يتصدى طالب العلم للشؤون الاقتصادية؟! فيلغى ناحية واسعة من نواحي الدين والشريعة (فقه المعاملات المالية)؟!

وهل يقول قائل: إن العلم الشرعي منزه عن الخوض في الخلافات الأسرية وشؤون الأزواج والأبناء والبنات، فيلغى بذلك ناحية من نواحي الدين والملة (فقه الأسرة والأحوال الشخصية )؟!

إن هذه المجالات من مجالات العلم الشرعي لم تحظَ بمعاندة من ذي سلطة يعكر على أهل العلم تبليغ دين ربهم فيها، فبالتالي لم تظهر مثل هذه المقالات ظاهرة البطلان ولم يرددها أحد من أهل العلم.

ولا ريب أن السياسة واحدة من مجالات العلم الشرعي التي يحكمها ويقيمها في واقع المسلمين، غير أن وجود السلاطين الدنيويين المحاربين لما يقوله علم الشريعة فيها، قد أبرز هذه المقولات وجعل لها قابلية عند بعض من نقصت قوتهم وتمكنهم من أهل العلم، وعند آخرين ممن نقصت أمانتهم وديانتهم من المنتسبين له.

لا ريب أن المبالغة في الخوض السياسي ومتابعة الأحداث والماجريات على حساب العلم والفقه ليس بمحمود، كما أن العلم النظري بدين الله دون العلم بالوقائع التي ينزل عليها نقص أيضًا، والكمال في العلم بدين الله وبالسياسة الواقعة ومن ثم تنزيل حكم الله على الوقائع كما يقول ابن القيم وغيره، وهذه منزلة المحققين من أهل العلم.

أترى دور العالم أن يقول: (والربا محرم) ثم يجعل الحديث عن مشاريع الربا التي تستهدف الناس وأموالهم مما يدشنه سلاطين زمانه ممنوعًا! أتراه يكون بذلك مبلغًا لدين الله أم متناقضًا مع نفسه! قد جعل الدين كلمات مجردة لا علاقة لها بحياة الناس وواقعهم؟!

ولا ريب أن السياسة واحدة من مجالات العلم الشرعي التي يحكمها ويقيمها في واقع المسلمين، غير أن وجود السلاطين الدنيويين المحاربين لما يقوله علم الشريعة فيها، قد أبرز هذه المقولات وجعل لها قابلية عند بعض من نقصت قوتهم وتمكنهم من أهل العلم، وعند آخرين ممن نقصت أمانتهم وديانتهم من المنتسبين له.

أتراه حين يقرأ حديث: (مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ . مثلُ الجسَدِ … ) الحديث، ثم يجعل تفاعل طلابه مع قضايا مسلمي عصره لغوًا وغلطًا، متسقًا مع رسالته العلمية أم متناقضًا معها ومع نفسه؟! وهلمَّ جرا في كل ما كان للشريعة قول فيه من قضايا السياسة ونواحيها.

نعم، لا يلام ضعيف في فقهه بالواقع أن يتجنب السياسة بل ذا هو المتعين عليه، ولا يلام ضعيف أمام سطوة سلطان أن يترك هذا الحديث فهو معذور، لكنهما يلامان حينما يجعلان دين الله هو هذا الترك، فإذا جاء من يقوم به من محققي العلماء أو نوابغ الطلبة ممن جمع علم الشريعة وفقه الواقع: قالوا إن كلامه في السياسة غلط! والغلط حقًّا: هو التقصير في بيان الشرع لما يتعلق بالسياسة.

ولذا كان من جوانب العلم الشرعي ما يتعلق بالسياسة الشرعية، وما يتعلق بالجهاد والهدنة والحدود والقضاء والحسبة والمال العام وسياسة الناس والعلاقات الدولية وشؤون الحكم ونحوها، بل كان القائم بسياسة الناس إنما هو من أهل العلم بالشريعة، ومن شروطه ذلك، ثم حدث الانفصال لما ظهر السلاطنة الدنيويون، بل إن جملة من المفسرين قد ذكروا في معنى أولي الأمر في قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ) أنهم العلماء .

وهذا كله يهدم قول قائل: إن العلم الشرعي لا دخل له في السياسة، فهي مقالة بالغة الانحراف والسوء.

ولم تخلوا سير الأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم من أهل العلم والتجديد من خوض غمار السياسة ومجابهة أخطارها وأخطائها، بل إنه لا يوجد مصلح في تاريخ الإسلام ليس له سيرة في الخوض في السياسة، حتى صار من علامة المصلحين اتهامهم بإرادة الدنيا والملك، لما يتضمنه إصلاحهم ودينهم من مواجهة أطماع الطامعين في هذه الناحية، وخير مثال على ذلك سيرة العلمين الإمامين: ابن تيمية، ومحمد بن عبدالوهاب .

ومن الكذبة الذين يرددون هذه المقالة ويستغلونها: غلاة الطاعة، يرددونها ليمنعوا الاشتغال السياسي الذي يبين الحقائق والواجبات التي قصر فيها أمراؤهم وزعماؤهم من المترفين وأهل الدنيا، ولكنهم يخالفونها ويشتغلون بالسياسة لتسويغ مواقف هؤلاء المترفين الذين يتبعونهم، فهم كذبة متناقضون فيها، كما في كثير من مقالاتهم التي ليست إلا لتحريف الكلم عن مواضعه والدفاع عمن يتبعونهم.