في الصحيح من حديث جبير بن مطعم بيْنَما هو يَسِيرُ مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومعهُ النَّاسُ مَقْفَلَهُ مِن حُنَيْنٍ، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ حتَّى اضْطَرُّوهُ إلى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَالَ: أعْطُونِي رِدَائِي، لو كانَ لي عَدَدُ هذِه العِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بيْنَكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلًا، ولَا كَذُوبًا، ولَا جَبَانًا.
وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم أخذ وبرة من بعير ثم قال: “أَيُّها الناسُ! ليس لي من هذا الفَيْءِ شيءٌ ولا هذه الوَبَرةِ، إلا الخُمُسَ، والخُمُسُ مردودٌ فيكم، فأَدُّوا الخِيَاطَ والمَخِيطَ، فإنَّ الغُلولَ يكونُ على أهلِه عارًا، ونارًا، وشَنارًا يومَ القيامةِ”!
وكان هديه صلى الله عليه وسلم وهدي خلفائه رضي الله عنهم قسمة ما تحصل في خزينة الدولة بين المسلمين.
بل كان صلى الله عليه وسلم يقسم ما أتاه من الفيء في يومه كما في حديث عوف ابن مالك عند أحمد والحاكم وغيرهما.
فالواجب في مال الله الذي يفيئه الله على المسلمين أو يجدونه في باطن الفلوات، أو يخرجه لهم في ظاهرها أن يقسم بين الناس. ليس هو ملك لرئيس أو مليك أو أمير!
لا بموجب شرع أو قانون! ومع وضوح ذلك يخرج لنا بين كل فينة وأخرى من ينافق واليًا أو أميرًا أو رئيسًا أنفق على بعض المواطنين من بعض حقوقهم، ومنعهم أكثرها!
يقنعهم بأن ما أتاهم بركة!
وكثر الله خير ولاة الأمر الذين رضوا بإعطاء الفتات بعض الشعب! وكأن مال الله الذي خولوا قسمته تِركتُ أبيهم يقتسمونها، وإذا حضر القسمة أولو القربى من المواطنين والمساكين وأبناء السبيل جادوا عليهم بما تسمح به نفوسهم!
والحق أنهم عمال لهؤلاء المساكين! وكلاء عنهم لا يجوز تصرفهم في المال بغير مصلحتهم وما يرضونه.
ولا يغني عن المنافق لهم شيئًا أن يغتر بـ “حِنا أحسن من غيرنا”! يقولون: جزى الله ولاة أمورنا خيرًا فبعض الظالمين لا يعطون شعوبهم شيئًا، بل يأخذون قسرًا بذرائع مختلفة أو بغير ذريعة!
ولاشك أن الأظلم موجود، والأسوأ كثير، لكن هذا لا يكون مسوغًا للظلم أبدًا، ولا يعني أن ما دونه من الظلم بركة! بل نحمد الله على ما لطف بنا، وندعو على من بدد أموال الرعية أو حرمهم حقهم فيها بأن يجزيهم الله شرًّا أو يهديهم إلى توبة نصوح يخرجون فيها من أموالهم وقصورهم ويعطون الرعية حقوقهم التي ظلموها.
فالواجب في مال الله الذي يفيئه الله على المسلمين أو يجدونه في باطن الفلوات، أو يخرجه لهم في ظاهرها أن يقسم بين الناس. ليس هو ملك لرئيس أو مليك أو أمير!
والظلم ظلم، والأخذ من مال المسلمين العام غلول، سواء أخذه أحد الرعية، أوالعمال، أوالأمراء.. بل غلول هؤلاء جاء فيه الخبر عن ابن اللتبية في الصحيح: “والذي نَفْسِي بيَدِهِ لا يَأْخُذُ أَحَدٌ منه شيئًا إلَّا جَاءَ به يَومَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ علَى رَقَبَتِهِ، إنْ كانَ بَعِيرًا له رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ…” فهذا الحديث حديث ابن اللتبية الذي كان كان واليًّا على أعمال.
ولئن جاء أقوام ربهم يوم القيامة وعلى رقبة أحدهم بعير له رغاء! ليأتين آخرون وعلى رقابهم براميل نفط، مطوقين بأراضين وعمارات وعقارات!
هذا مع تثبيت ملاحظة على طريقة: “حنا أحسن من غيرنا”، فالواقع أن ما يصادره ويأخذه النظام عندنا إذا قيس بما تأخذه أنظمة أخرى فقيرة من جيوب رعية مواطنين ومقيمين وزائرين! قد يبلغ أضعافًا، فبلاد إجمالي الناتج المحلي فيها يبلغ 1.238 ترليون دولار كالسعودية لا يقول عاقل بأن ما يؤكل فيها من الأموال ظلمًا أقل من بلاد لا يتجاوز ناتجها بضع عشرات من المليارات!
ولاشك أن الأظلم موجود، والأسوأ كثير، لكن هذا لا يكون مسوغًا للظلم أبدًا، ولا يعني أن ما دونه من الظلم بركة! بل نحمد الله على ما لطف بنا، وندعو على من بدد أموال الرعية أو حرمهم حقهم فيها بأن يجزيهم الله شرًّا أو يهديهم إلى توبة نصوح يخرجون فيها من أموالهم وقصورهم ويعطون الرعية حقوقهم التي ظلموها.
والأهم الذي ينبغي أن يعلم إذا فرضنا عدم وجود شيء من تلك الغصوب يمارس تحت ستار رسوم أو ضرائب أو نزع ومصادرة أو غيرها، فإن إجراء الأرزاق مما أفاءه الله على هذه البلاد، ومما أودعه فيها من الكنوز في باطن الأرض أو ظاهرها، واجب من واجبات ولي الأمر، والمال الذي يتحصل في خزينة الدولة ليس ملكًا لولي الأمر، هو مال الله الذي يجب أن يقسمه بين الناس بالعدل! وولي الأمر وكيل مؤتمن محاسب على ذلك.. إن قام بالوظيفة وأدى الأمانة عظم أجره واستحق الثناء والثواب، وإن فرط وخان عظم وزره واستحق الذم والعقاب.
نعم يُعطى العمال بحسب أعمالهم أجورًا تليق بهم. ومن التدبير الجاري في هذه الأزمنة ما تقوم به الدول من فتح فرص عمل تسخر فيه موارد الدولة لكفاية رعاياها من كسب كريم يعظم أرزاقهم ويحسن معيشتهم ويزيد من دخلهم بحسب أعمالهم. فهذا يعظم حقهم في المال العام وموارد الدولة، وذلك خير لهم من أن يقل بقسمة الموارد بينهم.
فإن كان ذلك ووفى بحاجات الناس فبها، وإلا بقي لكل مواطن حقه في خزينة الدولة، وهو أولى بأن يحصل منها على ما يكفيه، من أن تستثمر حقوقه في الشرق أو الغرب، كما صنع ترمب أخذ أموالنا ووظف فيها قومه! فضلًا عن أن تؤكل في ترفيه ومجون وشرهات ودور وقصور!
والمهم الذي تؤكد عليه هذه المقالة أن يعي الناس أن لهم في خزانة الدولة أموالاً، وأن لهم مما فيها حقوقًا.
لا يعنفون وإن أغلظوا في طلبها وأساءوا، كما في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه قال: كُنْتُ أَمْشِي مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعليه بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فأدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عَاتِقِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ أَثَّرَتْ به حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِن شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قالَ: مُرْ لي مِن مَالِ اللَّهِ الذي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ له بعَطَاءٍ.
وليس الكلام هنا عن الزكوات أو الصدقات التي تمثل أنصبة أو حصصًا من أموال مملوكة للناس يبذلونها لغيرهم بأنفسهم أو عن طريق سعاة الإمام.
والأهم الذي ينبغي أن يعلم إذا فرضنا عدم وجود شيء من تلك الغصوب يمارس تحت ستار رسوم أو ضرائب أو نزع ومصادرة أو غيرها، فإن إجراء الأرزاق مما أفاءه الله على هذه البلاد، ومما أودعه فيها من الكنوز في باطن الأرض أو ظاهرها، واجب من واجبات ولي الأمر، والمال الذي يتحصل في خزينة الدولة ليس ملكًا لولي الأمر، هو مال الله الذي يجب أن يقسمه بين الناس بالعدل! وولي الأمر وكيل مؤتمن محاسب على ذلك.. إن قام بالوظيفة وأدى الأمانة عظم أجره واستحق الثناء والثواب، وإن فرط وخان عظم وزره واستحق الذم والعقاب.
بل الكلام على موارد وزارة المالية المشروعة عمومًا من ذلك المقيد بأصنافه من الناس كمستحقي الزكاة، ومن غيره الذي يعم جميعهم وهو كل ما أفاءه الله على الدولة ويسره لها من الموارد الآيلة إلى خزينتها.
فهذا مال المواطن والدولة شخصية اعتبارية ممثلة لهم لا يجوز في شرع الله وقوانين الحق أن تكون إدارتها بأيدي عصابة غاصبة لحقوق الناس! ولا يحسن من صورتها ترك الفتات لهم!
بل دخل الدولة يجب أن يقسم بين الناس، ويجب أن تكون القسمة بالسوية عند أكثر العلماء.
وكل ما تحصل في بيت مال المسلمين أو وزارة ماليتهم، وفاض عن أجور العاملين، ومصالحهم العامة يجب أن يقسم بينهم.
ذلك هو واجب ولي الأمر، لا مكرمة يتفضل بها على من يشاء.
فالضمان الاجتماعي يجب أن يشمل الشعب، إلا أن تستثمر الموارد، ويوظف فيها الناس، فعندها تُجرى عليهم المرتبات بأضعاف الأصول المالية التي استثمرت.
ويبقى في الضمان حينها العاجز واليتيم ونحوهم.
وأغنى الله المسلمين من فضله، ورد الحقوق إلى أصحابها.