فسادستان وخلع الجنان!

إقبال هائل على مشاهدة حلقة سالم القحطاني في برنامج «يقظة» على شبكة يوتيوب، والتي خصصها ضمن سلسلة «فسادستان» للحديث عن مشروع «نيوم» على ساحل البحر الأحمر، والحلقة بعنوان جذاب «مشروع نيوم سينتهي في ٢٠٨٠!»، وهو إقبال يفسره رغبة قطاعات من الشعب السعودي في فهم حقيقة ما يحدث في هذا المشروع الضخم بعيدًا عن وسائل إعلام المدلسين، خصوصًا أن رجل الشارع العادي قد أصبح متيقنًا من جريمة إهدار المال العام هذه، ومن لم يصل لمستوى اليقين في فداحة الجريمة، ولم يزل يحتفظ ببعض الأمل في أن تنصلح الأحوال التي يعيشها بعد أن «يجني ثمار هذا المشروع العملاق»، فإن قلقه أكبر من قليل أمله، فأتى سيل القحطاني فجرف ما تبقى لديه من أمل.

والحلقة الدسمة هذه التي خلعت قلوبنا من شدة حزننا وألمنا من هذه السفه والإهدار لمئات المليارات من أموال الشعب السعودي، قد حفلت بحشد كبير من المعلومات التي أوردها اليوتيوبر الصاعد، والتي وثق جميعها من مصادرها العالمية، المتاحة في غالبيتها لكل باحث عن حقيقة وباغي حق، لم يأت بها القحطاني من عند نفسه، ولا يتسلل إليها شك، بل ربما كان المخبوء من جبل الجليد هذا أكبر بكثير مما أظهرته هذه المعلومات المفزعة.

أثارت الحلقة انزعاجًا شديدًا لدى كثير من أبناء الشعب السعودي، وتهامسوا بما ورد فيها في مجالسهم الخاصة، وبين أهل الثقة من الأقارب والأصحاب، فما فيها استهتار بموارد الدولة السعودية بجميع المقاييس، فالمعلومات تتحدث عن الحاجة إلى إنفاق أكثر من ٨ تريليون ريال لكي يرى المشروع النور، هذا لو صارت الأمور على ما يرام ولم تتضح خيالية المشروع!

هذا عدا عن أن المستفيدين من المشروع في معظمهم أجانب، فلم يتوظف فيه من السعوديين إلا ندرة، وفي مناصب دون العليا، بينما تدفقت المليارات في جيوب «الخبراء» والمديرين التنفيذيين الغربيين!

فاجعة الشعب بما تضمنته الحلقة كبيرة، لكن الصدمة الكبرى لم تأت بعد! فما غطته الحلقة على طولها وحشدها المعلوماتي لم يكن إلا للجانب الأقل خطورة في الموضوع، فالكوارث الاستراتيجية، الدينية والأمنية أكثر إيلامًا.

يُعتبر مشروع «نيوم» واحدًا من عدة مشاريع سياحية على جانبي البحر الأحمر وبغرب وشمال السعودية، وشرق مصر، التي تتكامل فيما بينها لترسم أركانًا سياحية واعدة لمشروع «إسرائيل» الكبرى، ووسيلة ناجعة لتوطين اليهود العبرانيين في ربوع هذه الأرض الجديدة، عبر عمليات بيع واستئجار أراضٍ مصرية لوكلاء عن جهات صهيونية، أو بإشرافها، ضمن حدود ما تُسمى بـ«إسرائيل» الكبرى.

فالمعلومات تتحدث عن الحاجة إلى إنفاق أكثر من ٨ تريليون ريال لكي يرى المشروع النور، هذا لو صارت الأمور على ما يرام ولم تتضح خيالية المشروع!

مملكة نعوم «ממלכת נוים» التي يجزم باحثون متخصصون في الشأن اليهودي أن مشروع «نيوم» ما هو إلا إحياء لها، اتخذت لها السلطات طبيعة قانونية خاصة، بحيث لا تنطبق المعايير الأخلاقية والسلوكية على قاطنيها مثلما تطبق على سائر الأراضي السعودية، هي محاكاة للسلوك نفسه الذي تمارسه السلطات المصرية في جنوب سيناء التي تعتبر منطقة شبه مستقلة كما نيوم!

وهما يقعان ضمن جغرافيا تضم وادي عربة وفلسطين المحتلة وتلك المنطقتين من السعودية ومصر، وهي الجغرافيا الداخلة ضمن حدود «إسرائيل الكبرى».

يقول الباحث في الشأن اليهودي، عامر عبد المنعم: “إن الحد الجنوبي لمشروع نيوم يتطابق تمامًا (شبرًا بشبر وذراعًا بذراع) مع الحد الجنوبي لـ «إسرائيل الكبرى» في خريطة بن آفي بزاوية ميل 30 درجة حتى خط عرض 28 الذي ينتزع شمال المملكة ويضمه لـ «أرض إسرائيل»”، ويبرهن على ذلك بالتأكيد على أن “الكشوف الأثرية تؤكد وجود “مشروع نيوم” فوق منطقة أثرية يهودية ذات أبعاد صهيونية مثل جبل “اللوز”، الذي عاش فيه نبي الله يعقوب في تبوك، ويُعتقد أنه المكان الذي نزلت فيه الصحائف العشر على موسى عليه السلام قبل ذهابه إلى طور سيناء وقبل نزول التوراة”.

يُعتبر مشروع «نيوم» واحدًا من عدة مشاريع سياحية على جانبي البحر الأحمر وبغرب وشمال السعودية، وشرق مصر، التي تتكامل فيما بينها لترسم أركانًا سياحية واعدة لمشروع «إسرائيل» الكبرى، ووسيلة ناجعة لتوطين اليهود العبرانيين في ربوع هذه الأرض الجديدة، عبر عمليات بيع واستئجار أراضٍ مصرية لوكلاء عن جهات صهيونية، أو بإشرافها، ضمن حدود ما تُسمى بـ«إسرائيل» الكبرى.

ومن تلك الحدود إلى الحدود الغربية لـ«إسرائيل الكبرى» التي أقيم عليها تحديدًا مشروع منتجع «مارينا دلتا لاجونز»، على البحر المتوسط، على شكل الشمعدان اليهودي ذي الشمعات السبع!

تلك المدن الاستثمارية في أركان المشروع الصهيوني، وعلى طريقين مفترضين لرحلتي «إبراهيم وموسى عليهما السلام»، تثير قلقًا أكبر مما يثيره الهدر المالي، فالتساؤلات كثيرة حول هذا المشروع:

لماذا اتخذ اسمًا لمدينة بل مدن سعودية واعدة ليس فيها اسمٌ واحدٌ بلغة هذه البلاد، حاضنة اللغة العربية، هذا فضلًا عن أن يكون اسمها الجامع مشبوهًا كـ«نعوم» أو «نيوم»؟!

ولماذا يشرف عليه صهاينة أو موالون لـ«إسرائيل»؟ ولماذا كثرت زيارات اليهود لهذه المنطقة باسم السياحة؟ ولماذا تكاثرت بعثاتهم الأثرية، وعن ماذا يبحثون، وعلام يستدلون؟!

لماذا يستحوذ المشروع على معظم ميزانية الاستثمار السعودي الآن؟! لماذا لم تتجه السعودية – والناس تتخطف من حولها، والجيوش تتجهز لحروب قادمة طاحنة – إلى الصناعات العسكرية وتقوية الجبهة الداخلية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي لسلعها الإستراتيجية، وتقوية جبهتها الداخلية بدلًا من الغرق في أوحال السياحة والمهرجانات والليالي الصاخبات؟!

ولو برأ المشروع من خدمة الصهاينة، وما نحسبه يبرأ، فلن يبرأ من السفه والهدر المالي، فإن برأ من ذلك- ولن يبرأ أبدًا- فكيف يبرأ من توجيه المال في استثمار لا يوظف العاطلين، ولا ينمي صناعة أو زراعة أو تجارة، ولا يعمل على تقوية صلابة الدولة وقدرتها على مواجهة التحديات العظيمة القادمة؟! فالإقليم يقوم وأنتم «نيوم»!