التعتيم الإعلامي على الهجمات الحوثية!

فرق بين من يحترم الشعب ويقدره ويسعى في مصلحته، وبين من يسوق الناس سوق البهائم! فلا يدرون إلى أين! ولا يحق لهم إبداء رأي، أو توجيه نقد.

وهناك فرق بين أن تمنع الدولة نشر معلومة لأنها تهدد الأمن فعلًا كذكر إصابة صواريخ لإحداثيات ومواقع، وأن تمنعها لأنها قد تُظهر ضعفًا في منظومة الدفاع أو تسبب حرجًا سياسيًا، الأول معقول قابل للفحص والمناقشة، أما الثاني فتقييد للمشروع، ومنع من النافع، ودفع لأحد أسباب الإصلاح.

عندما يشمل المنع والتحذير معلومات أو صورًا لا تكشف أسرارًا عسكرية ولا تساعد المهاجم، فإن الصلة بين المنع وحماية الأمن تصبح تعسفية.

وعندما لا يستطيع المواطن أو الصحفي معرفة الحدود الدقيقة للمعلومات المسموح بنشرها، فقد يمتنع عن نشر معلومات مشروعة خوفًا من المساءلة وهذا ما يُعرف بالأثر المُثبِّط لحرية التعبير. وقد وثقت منظمة العفو الدولية في يونيو2026 احتجاز ثلاثة أجانب على الأقل في قضايا مرتبطة بالتعبير عن الحرب، ونقلت عن صحفي في الرياض أن القيود أعاقت الوصول إلى الشهود وتوثيق الحوادث. وقد أعلنت السفارة الأمريكية في12 أكتوبر احتجاز مواطنين أمريكيين بسبب تصوير أحداث مرتبطة بالهجمات، دون بيان عددهم أو ملابسات كل حالة! لا ندري كم احتجز من غيرهم!

إذا منعت السلطات التوثيق المستقل، ولم توفر في المقابل بيانات موثوقة عن الحوادث والأضرار وآثارها المدنية، فقد تتحول السرية العملياتية إلى حجب للمعلومات ذات المصلحة العامة.

فرق بين من يحترم الشعب ويقدره ويسعى في مصلحته، وبين من يسوق الناس سوق البهائم! فلا يدرون إلى أين! ولا يحق لهم إبداء رأي، أو توجيه نقد.

ومع الأسف سياسة الدولة في الحجب المعلوماتي والترهيب من تناقل بعض الأخبار بل ومحاسبة من ينشر وينصح وفق نظام مكافحة جرائم المعلوماتية وإنزال عقوبات ببعضهم تصل إلى السجن 5 سنوات وغرامات مالية باهظة بدعوى نشر ما يمس “النظام العام”، وتطبيق ذلك بصرامة شديدة على من يصور أو يتداول مقاطع سقوط الشظايا أو الحرائق، مع غياب هوامش النقاش المفتوح، فلا توجد مساحة للإعلام المحلي لأن يتساءل عن ثغرات الدفاع الجوي، كيف أصيب مطار مدني بصاروخ أو مقذوف أو مسيرات قطعت آلاف الأميال! وما كفاءة خطط الإخلاء، أو تقييم تكلفة الردع؛ فالرواية موحدة ومركزية حصرًا بيد وزارة الدفاع، وكل ذلك اعتساف سيء الأثر على الدولة والناس.

سوف يفقد السعوديون الثقة في إعلامهم وقد فعلوا!

وسوف يلجؤون إلى الإعلام البديل وهم يفعلون! فعند وقوع دوي انفجار أو تصاعد دخان في منطقة سكنية أو منشأة حيوية، لا يكاد يفتح أحد القناة الرسمية! ويندفع الجمهور في قنوات عربية وغربية أخرى، ووسائل تواصل اجتماعية يتطلعون فيها إلى تسريب، وفي الغالب لا يجدون إلاّ من ينشر من خارج البلاد أو تحت أسماء مستعارة، وحسابات لا يدرى ما حقيقتها! ومن ثم تروج الشائعات، وينفتح الباب للتكهنات؛ فالصاروخ أو المسيرة التي اعترضت وتناثرت شظاياها في أرض فضاء قد تتحول في روايات التراسل الفوري إلى ضربة مباشرة لمنشأة حساسة، مما يعزز القلق الذي تحاول الدولة أصلاً تفاديه عبر التعتيم.

ويتأكد هذا في واقع غياب التحذير الرسمي وتأخر الإفصاح -غير موثوق الشفافية- وقد كشفت رويترز في13 أكتوبر2026 أن السعودية توقفت عن إصدار تحذيرات عامة بهجمات وشيكة قبل ضربات مطار الرياض التي أسفرت عن مقتل 18 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 300 شخص، ولم تقدم السلطات تفسيرًا رسميًا للتوقف!

وما سبق ينعكس بأثر سلبي على الناس أهمه الشعور بعدم التقدير، والسوق كما تساق البهائم، وعدم الشفافية فلا يبصر الناس الحقيقة! ولا يثقون في ما تقوله الدولة وإعلامها، فيلتمسون بنيات الطريق، فبدلاً من تعزيز الطمأنينة والمحافظة على الثقة في المؤسسات، تضعف ثقة المواطنين في المعلومات الرسمية، ويدفعهم ذلك إلى البحث عن مصادر بديلة، بعضها أقل موثوقية!

وإذا أردنا دراسة الأثر في المجتمع السعودي دراسة علمية، فإن أهم المؤشرات ستكون مدى اعتماد الجمهور على وسائل الإعلام الرسمية عند وقوع الهجمات؟ وما مقدار تكرار الرجوع إلى وسائل الإعلام الأجنبية؟ وينبغي قياس هذه المؤشرات باستطلاعات مستقلة ومتكررة، وهذا متعذر في بلادنا السعودية مع الأسف، لكن يمكن أن تعتبر بمشاهدات يوتيوب للمنصات الإخبارية.

وقد قمت بدراسة مختصرة مقارنة على يوتيوب بين الإخبارية السعودية، والجزيرة، وفرانس24 عربي، وBBC عربي، مع العربية كمجموعة إضافية، للفترة: يناير–أكتوبر2026. واخترت خمس هجمات محددة وقارنت تغطية الحدث نفسه في هذه القنوات.

وظهر بوضوح تفوق الجزيرة في تصدر”الترند” وأرقام المشاهدات الأولى، وبدا لي أن ذلك لأنها تبادر بنشر بيانات الحوثيين والفيديوهات المسربة فورًا، بينما تتأخر الإخبارية والعربية لانتظار الصياغة الأمنية المركزية، ما يجعل مقاطع الإعلام الرسمي تجتذب أرقاماً أقل في الساعات الأولى. وفي الجملة وجدت الجزيرة أكثر مشاهدات في ما يخص السعودية من أحداث حرب اليمن والحوثيين من العربية، ووجدت الإخبارية السعودية في ذيل القائمة!

وإذا أردنا دراسة الأثر في المجتمع السعودي دراسة علمية، فإن أهم المؤشرات ستكون مدى اعتماد الجمهور على وسائل الإعلام الرسمية عند وقوع الهجمات؟ وما مقدار تكرار الرجوع إلى وسائل الإعلام الأجنبية؟ وينبغي قياس هذه المؤشرات باستطلاعات مستقلة ومتكررة، وهذا متعذر في بلادنا السعودية مع الأسف، لكن يمكن أن تعتبر بمشاهدات يوتيوب للمنصات الإخبارية.

أماقنوات التلفزة الغربية الناطقة بالعربية (فرانس24 وBBC) فكان تركيزها على القوالب التفسيرية أو التحليلية والبرامج الحوارية المعمقة، وهذا يمنح مقاطعها فترة بقاء ومشاهدة ممتدة، مقارنة بالأخبار السريعة المقتضبة للقنوات الإخبارية المحلية.

وهذا يقتضي من الدولة أن تعامل الإعلام بوعي لا بقبضة أمنية، وأن تتعامل بشفافية تعزز الثقة بها، وتقر بالحق المشروع في معرفة الناس الواقع كما هو لترتيب أمورهم، بل المطلوب فوق ذلك أن تتيح للناس حرية مسؤولة تكفل معرفة مصادر الأخبار، وتجنب الاعتماد على الحسابات المجهولة. والأهم إتاحة مساحة للنقد وإبداء الرأي في الدفاعات والتحليليات بها يفهم الناس بها يفهم الناس أنهم شركاء يصنعون القرارات ويتحملون الأعباء، لا يساقون على عماء!