في رقعة شطرنج عالمية لا تعرف العاطفة، ولا تُجامل الضعفاء والخائفين، تبدو الخارطة الجديدة تُرسم في الخليج، بل في كل العالم، وريشتها لن تنحاز إلا لأصحاب الإرادات وأولي البأس الشديد.
صار الرئيس الأمريكي لفرط تقديسه للقوة واحترامه لأهلها، ولو كانوا من أعدائه ومنافسيه، يُسمي مضيق هرمز، بمضيق «إيران»، فلا وجود للدولة الأخرى المقابلة له، لا بل لكل الدول المتقاسمة مع إيران الخليج العربي كله، ما دامت كفتها في الأعلى مقابل الإيرانيين الذين أثبتوا بالفعل أنهم قادرون على تحدي ترامب المتغطرس وقوة بلاده المدمرة.
لا يؤمن ترامب ولا قادة الحرس الثوري الحاكم في إيران بالقانون الدولي، كلاهما يدير له ظهره، وكلاهما على استعداد لاحتقاره ما لم يُجبر بـ«القوة المقدسة» على احترامه، ولهذا يمكن لواشنطن أن تعترض طويلًا على تحدي طهران للإرادة الدولية، ونقضها للقانون الدولي؛ فإذا ما صمدت إيران، وفرضت رؤيتها للمرور من المضيق بقوة السلاح، ذهب ترامب إلى محاولة تقاسم الكعكة معها، وليذهب القانون الدولي لأقرب مكب؛ فإذا ما رفضت إيران تقاسم «إتاوة البلطجة البحرية» مع الولايات المتحدة الأمريكية، عاد ترامب ليبكي على القانون الدولي المنتهك.
وفي الطريق، لا وجود لعُمان، ولا دول الخليج كلها، التي كانت ربما ستضطر صاغرة أن تدفع المال مع كل سفينة عابرة إذا ما انتهى الأمر إلى هذا!
والسعودية – للأسف – بكل حضورها في المنطقة وتاريخها، ودعايتها المتضخمة عن «السعودية العظمى» تراقب وتترقب النهاية، التي لم تشارك في إعداد قصتها، ولا وجود لاسمها في سيناريو هذه الرواية القاسية، لا شأن لها سوى ترقب النهاية لتعرف لمن ستدفع الجزية أو الإتاوة، وكم ستدفع، آملة أن يكتفي البلطجي الرابح بهذه الإتاوة، ولا يطمع في المزيد، أملًا كأمل المستعصم في عاصمة الخلافة بغداد في أن يرحمه هولاكو، راضيًا بكنوز الخليفة المخبوءة، ولا يلفه في «سجادة» لتطأه سنابك خيل المغول.
تطالع الشعوب هذه القصة الحزينة لدول ساد أجدادها الدنيا بعز الإسلام وقوته، ويزداد حزنها يوم تتذكر المكايدة النسائية بين الذباب الإلكتروني المصري والسعودي، ومباهاة الإعلام السعودي شبه الرسمي باسترداد جزيرتي تيران وصنافير.
لا يؤمن ترامب ولا قادة الحرس الثوري الحاكم في إيران بالقانون الدولي، كلاهما يدير له ظهره، وكلاهما على استعداد لاحتقاره ما لم يُجبر بـ«القوة المقدسة» على احترامه، ولهذا يمكن لواشنطن أن تعترض طويلًا على تحدي طهران للإرادة الدولية، ونقضها للقانون الدولي؛ فإذا ما صمدت إيران، وفرضت رؤيتها للمرور من المضيق بقوة السلاح، ذهب ترامب إلى محاولة تقاسم الكعكة معها، وليذهب القانون الدولي لأقرب مكب؛ فإذا ما رفضت إيران تقاسم «إتاوة البلطجة البحرية» مع الولايات المتحدة الأمريكية، عاد ترامب ليبكي على القانون الدولي المنتهك.
وبين الجارين المسلمين العربيين لا ضير في أن تكون هذه البقعة من حق هذا البلد أو ذاك، أن تصبح للسعودية أو لمصر ما دامت القضية عادلة، غير أن ما يلفت النظر هو كيفية النظرة الاستراتيجية لإيران، والتفكير السطحي لكلا البلدين الشقيقين؛ فإيران التي تتمتع بسيادة على جزر قشم ولاراك، وتفرض هيمنتها على جزر طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى التي سيطرت عليها بالقوة بعد أن احتلتها من الإمارات، قد استثمرت هذه السيادة في تحويل شرطها بفرض رسوم على السفن العابرة من مضيق هرمز الدولي، وهي محض قرصنة بحرية، وحولتها بحيلة خبيثة لعبور اضطراري في مياهها الإقليمية!
قامت طهران بتلغيم المنطقة الدولية في المضيق، وادعت أن لا مكان آمنًا في المضيق إلا أين تمر السفن من مضيقها الخاص، مضيق خوران/كلارنس (ما بين جزيرتي قشم ولارك اللتين تتبعان إداريًا لمحافظة هرمزجان الإيرانية) في الدخول للخليج، أو بمحاذاة لاراك جنوبًا (داخل المياه الإقليمية الإيرانية أيضًا) في الخروج من الخليج. وعليه، فقد أصبح طلبها بفرض الرسوم على السفن العابرة «مشروعًا قانونًا)، إذا ما سلّم العالم لها بهذه الفرضية، أو غضّ الأمريكان الطرف عنها كتنازل يمكنهم قبوله في إطار الاتفاق المتوقع معها!
تحايل ممقوت، لكنه ذكي في عالم السياسة المتوحشة، وفي المقابل، قد كان البلدان السعودي والمصري مدركان لأهمية أن تبقى الجزيرتين في الحيازة المصرية مؤقتًا دون حسم سياسي بينهما لكي يظل مضيق تيران دوليًا، فيحق لمصر (ومن ورائها العرب) إغلاقه في وجه «إسرائيل» في الوقت المناسب، خصوصًا وقت الحرب. وقد ظل ذلك ممكنًا حتى أفضت مباحثات بين البلدين إلى تسليمه للسعودية، فصار المضيق دوليًا لا يجوز قانونًا لأي من البلدين منع السفن «الإسرائيلية» من عبوره. فهل كان اختيار البلدين هذا التوقيت مناسبًا لهذا التسليم والتسلم، أم أن التطبيع والشراكة الثلاثية في أمن شمال البحر الأحمر بين السعودية ومصر و«إسرائيل» كان ملحًا لهذه الدرجة؟! في هرمز أدارت إيران اللعبة بحرفية ودهاء فارسي قديم، وفي تيران انكشف الأمن الإقليمي العربي.