الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فقديمًا قال سفيان الثوري رحمه الله: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يُعصى الله في أرضه!
ويُروى هذا عن الحسن البصري رحمه الله، وعن يوسف بن أسباط.
قال بعض العلماء: ومثاله أن يقول للظالم: أبقاك الله تعالى.
وهي التي توازي في ألسنتنا: طال عمرك!
قال ابن قدامة في منهاج القاصدين: الداخل على السلطان مُعرَّض لأن يعصي الله عزَّ وجلَّ، إما بفعله، أو قوله، أو سكوته.
ثم عد من الفعل أشياء حاصلها الدخول عليهم في أملاك مغصوبة لا يستحقونها، وإن سلم العقار من الغصب فقد لا يسلم ما فيه من تبذير المال العام فيه، وإن سلم فلن يسلم من قيام له، أو انحناء، أو تواضع بتقبيل يد- ومنها الكتف- وذكر أن تقبيل اليد له معصية، إلا أن يكون خوفًا، وإلا فحقهم مجرد السلام.
ثم قال وهو الشاهد: “وأما القول: فهو أن يدعو للظالم، أو يُثني عليه، أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله، أو بتحريك رأسه، أو باستبشار في وجهه، أو يظهر له الحب والموالاة والاشتياق إلى لقائه، والحرص على طول بقائه، فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام، بل يتكلم ولا يعدو كلامه هذه الأقسام”!
لم يترك علماؤنا شيئًا! حتى إن تكلم ليس لك أن تهز الرأس تصديقًا، أو تظهر البشر موافقة!
ومع الأسف فإن الثناء والدعاء المنكر يمارس اليوم على منابر الجمعة، وفي أقدسها، وعلى منبر رسول الله صلى عليه وسلم، وحيث وقف!
قال النووي في شرح المهذب ضمن مكروهات الخطبة: ومنها المجازفة في أوصاف السلاطين في الدعاء لهم وكذبهم في كثير من ذلك؛ كقولهم: السلطان العالم العادل ونحوه.
وذكر في أصل المسألة دون المجازفة الخلاف فقال في روضة الطالبين:وأما أصل الدعاء للسلطان، فقد ذكر صاحب (المهذب) وغيره: أنه مكروه. والاختيار: أنه لا بأس به إذا لم يكن فيه مجازفة في وصفه، ولا نحو ذلك، فإنه يستحب الدعاء بصلاح ولاة الأمر.
وذكر غيره أنه “يحرم وصفهم بغير ما هم عليه”.
وقال أيضًا: وأما الدعاء للسلطان فاتفق أصحابنا على أنه لا يجب ولا يستحب، وظاهر كلام المصنف وغيره أنه بدعة؛ إما مكروه، وإما خلاف الأولى، هذا إذا دعا بعينه فأما الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك ولجيوش الإسلام فمستحب بالاتفاق، والمختار أنه لا بأس بالدعاء للسلطان بعينه إذا لم يكن مجازفة في وصفه ونحوها، والله أعلم.
ولا يخفى على عاقل أن الأمر اليوم قد تجاوز الدعاء لهم بالصلاح والإصلاح، بل ضمن الدعاء المدح والثناء، وهذه المجازفة في القول مما عده العلماء من مواطن جواز ترك الإنصات في الخطبة.
قال ابن حجر: وقد استُثني من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كل ما لم يشرع مثل الدعاء للسلطان..بل جزم صاحب التهذيب بأن الدعاء للسلطان مكروه. وقال النووي: محله ما إذا جازف، وإلا فالدعاء لولاة الأمور مطلوب اهـ.
ومحل الترك إذا لم يخف الضرر، وإلا فيباح للخطيب إذا خشي على نفسه.
وقوله: استُثني من الإنصات؛ أي: أُذن في الكلام والتشاغل بغيره، وبهذا عبر المغربي في بدر التمام.
وقد ذكر ابن كثير في ترجمة الشيخ الصالح أبي عمر المقدسي، أخي الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، أنه خطب يومًا فلما انتهى إلى الدعاء لبعض ملوك الدولة الأيوبية في زمانه قال: اللهم أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب، وكان في المجلس بعض فضلاء المشايخ، فأخذ نعليه وخرج من الجامع وترك صلاة الجمعة،- وقيل كان على سفر، وربما أدرك غيره من الأئمة- فلما قيل له: ماذا نقمت عليه في قوله؟
فقال: يقول لهذا الظالم: العادل؟! لا صليت معه! ثم ذكر عذر بعض العلماء لابن قدامة وأنه إنما أجرى تلك الأسماء مجرى الألقاب لا الأوصاف.
ولا يخفى على عاقل أن الأمر اليوم قد تجاوز الدعاء لهم بالصلاح والإصلاح، بل ضمن الدعاء المدح والثناء، وهذه المجازفة في القول مما عده العلماء من مواطن جواز ترك الإنصات في الخطبة.
وكثير من الدعاء اليوم على رؤوس الأشهاد، إنما هو إشهاد للزور، وثناء على أهل الفسق والجور!
وقد ذكروا في حوادث سنة تسع وثلاثين وستمائة أن بعض السلاطين الذين وقعت منهم استعانة بالإفرنج فأعانوهم، وكافأهم عليها بلدة وهي في وقتنا أشبه بالقاعدة العسكرية!فأنكر عليه سلطان العلماء عز الدين ابن عبد السلام وترك الدعاء له في الخطبة، وساعده في ذلك الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب المالكي، فغضب السلطان منهما فخرجا إلى الديار المصرية.
أما اليوم فيسيئون ويظلمون ويمدحون ويُدعا لهم بالتوفيق! ويزعمون أنها السنة! كلا والله.
وقد كان الأمر على خلاف في ذلك في الدولة السعودية قديمًا عند العلماء، فقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين رحمه الله: عن الدعاء في الخطبة لأحد أئمة الدعوة حينها!
وكثير من الدعاء اليوم على رؤوس الأشهاد، إنما هو إشهاد للزور، وثناء على أهل الفسق والجور!
فأجاب: احتجاج بعض الناس بقول بعض العلماء: يباح الدعاء في الخطبة لمعين، ولم يقولوا: يسن! وأيضاً، فالدعاء حسن، يدعى له بأن الله يصلحه ويسدده، ويصلح به وينصره على الكفار وأهل الفساد، بخلاف ما في بعض الخطب، من الثناء والمدح بالكذب.
وولي الأمر إنما يُدعا له، لا ُيمدح لا سيما بما ليس فيه؛ وهؤلاء الذين يمدحون في الخطب، هم الذين أماتوا الدين، فمادحهم مخطئ، فليس في الولاة اليوم من يستحق المدح، ولا أن ُيثنى عليه، وإنما يُدعا لهم بالتوفيق والهداية.
والواجب على ولي الأمر أوًلا، البداءة برعيته بإلزامهم شرائع الإسلام، وإزالة المنكرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، فهذا أهم وأوجب من جهاد العدو الكافر، وهذا مما يستعان به على جهاد الكفار. انتهى المراد من كلام أبابطين رحمه الله.
والأصل أن الدعاء للسلطان في خطبة الجمعة مما أُحدث، وإحداثه قديم، قال الشيرازي: الدعاء للسلطان لا يستحب لما روي أنه سئل عطاء عن ذلك فقال: إنه محدث وإنما كانت الخطبة تذكيرًا.
واستحباب من استحبه من الفقهاء في الجمعة مما لم يقم دليل عليه، ومن العجائب أن يدعو إليه من يتوسعون في البدعة الإضافية، وهؤلاء تناقضوا يجعلون التقييد والتخصيص بغير مخصص بدعة إلَّا في مصلحة السلطان! فهنا تنقلب البدعة سنة!
وولي الأمر إنما يُدعا له، لا ُيمدح لا سيما بما ليس فيه؛ وهؤلاء الذين يمدحون في الخطب، هم الذين أماتوا الدين، فمادحهم مخطئ، فليس في الولاة اليوم من يستحق المدح، ولا أن ُيثنى عليه، وإنما يُدعا لهم بالتوفيق والهداية.
ولا يعني ما سبق أن الدعاء للسلطان إذا وقع عرضًا وجاء المرة بعد المرة دون التزام له، وبغير ثناء، أو تمجيد أو تفخيم، أو دعاء بما لا يليق من مطلق التوفيق والتسديد، ولكن بأن يهديه الله ويصلحه، وينقذه من ضلالته وعمايته ويرشده، لا يعني أنه بدعة، بل هذا لا بأس به.
وكذلك إن وقع خوفًا لا طمعًا، لكن المنكر أن يتدين به، ويدان من ينكر التعبد بتلك البدعة على منبر الجمعة، والله المستعان.