استهداف الدوحة والثقة ببني النضير!

ما فعله جيش العدو والشاباك في قطر، يشبه في خسته ما فعله بنو النضير حينما أرادوا أن يغتالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أرسلوا للنبي صلى الله عليه وسلم: “اُخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، ففعل، فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر (فأُخبِر صلى الله عليه وسلم)، فرجع، وصبّحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم عدا على بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها، ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام”.

غدروا، وقد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيفة (ميثاق) (فيما صح عن أبي داود). وفعلت يهود ذلك مرارًا، ولم ترعَ أبدًا حرمة ولا ميثاقًآ، وما أشبه ما فعلته في قطر، يوم استهدف المفاوض والوسيط، وكلاهما لديه عصمة عند الأوفياء والدول التي تحترم مواثيقها وعلاقاتها الدولية!

وهذا ليس بغريب على يهود، فهم قوم نُكث بالعهود منذ آلاف السنين، قال اللهُ تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} [المائدة: 13].

إنما الغريب أن يأتي حكام الخليج، ثم العرب في قمتهم المشينة، فيعيدوا استجداء عدوهم ويطلبوا من حامية «إسرائيل» نفسها حمايتهم والدفاع عنهم، وهي لم تفعل في قطر ولن تفعل فيها ولا غيرها!

والذين رهنوا سلاحهم بيد اليهود (وحاضنتها: الولايات المتحدة)، فلا تعمل طائرة ولا منظومة دفاع جوي، من دون إذن إلكتروني من الولايات المتحدة، ودانوا لواشنطن وتل أبيب، ولم يحركوا ساكنًا وبلادهم تنتقص من أطرافها، وتسفح سيادتها وكرامتها، وتخضع، سياسة واقتصادًا ومجتمعًا وثقافة وتعليمًا وإعلامًا!

والذين سجنوا العلماء وقهروا المصلحين وغيبوا الدعاة وراقبوا المساجد ودور القرآن لا يمكن أن يكونوا مقتفين هدي النبي صلى الله عليه وسلم. بل الذين يطالبون المقاومين بالاستسلام والأهالي في غزة بالجلاء (حقنًا للدماء)، ويقفوا مكتوفي الأيدي بل مشاركين في الحصار والقتل والتجويع!

والرافضين أن يـُسهموا في وقف الإبادة ولو بمشاركة في قافلة، لا يصح أن ينتسبوا لهذا النبي المجاهد صلى الله عليه وسلم، فالذي يُجلي اليهود من بني النضير وغيرهم لا يوضع في نفس الطرف الذي يفسح الطريق لإجلاء المسلمين، وتفريغ الأرض قطعة تلو أخرى لليهود. لا يكون من يفعل ذلك إلا منهم، ولو تسمى بأسماء المسلمين، وتمظهر بتمثيلهم وخدمتهم!

إنما الغريب أن يأتي حكام الخليج، ثم العرب في قمتهم المشينة، فيعيدوا استجداء عدوهم ويطلبوا من حامية «إسرائيل» نفسها حمايتهم والدفاع عنهم، وهي لم تفعل في قطر ولن تفعل فيها ولا غيرها!

غضب النبي صلى الله عليه وسلم من غدر اليهود نتج عنه عملية إجلاء وفرض استسلام على العدو، بينما غضب الخليج ترتب عليه مزيد من الارتهان للعدو والخضوع له! فلم يمض أسبوع على خيانة الولايات المتحدة الأمريكية لقطر ودول الخليج مجتمعة، حتى زار وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، قطر، وبدلًا من أن يسمع حزمة قرارات تتمثل في طرد أكبر قاعدة للأمريكيين في «الشرق الأوسط» كله، وإنهاء التعاون العسكري مع هذا البلد الخائن سمعنا منه أن الولايات المتحدة تُنهي اتفاقية تعاون دفاعي مُعززة مع قطر، وسمعنا من وسائل الإعلام الأمريكية أن الدوحة ناقشت مع الوزير الأمريكي «احتمال شراء قطر معدات عسكرية أمريكية أكثر تطورًا»!

وفهمنا من بعد قمة الدوحة الخانعة أن العرب، تتقدمهم السعودية ومصر، لا خيار لديهم سوى المزيد من تسول الحماية ممن يبيع السلاح الموجه عديم الفائدة الممنوع تقنيًّا من مهاجمة «إسرائيل»، والقادر على حماية العروش ممن ينادون بالحرية والكرامة!

إثر القمة، زالت كل الحجب، فلم يعد مجال لمستريبٍ وشاكٍّ، فهؤلاء لن يقفوا حجر عثرة أمام قيام «إسرائيل الكبرى»، وإن لم يساعدوا بأنفسهم في قيامها في مرحلتها الأخيرة بعد أن أسهموا حتى الآن في مراحل إنشائها الأولى بسد النهضة الذي مولته – بشكل غير مباشر – السعودية والإمارات، وصفقة الغاز التي أبرمتها القاهرة، وشراء وتمويل وتجهيز سواحل البحر الأحمر للعدو، وحصار غزة، والتمنع عن ممارسة أي ضغط على «الحليفة» أمريكا التي لا يفتر العرب عن تمويلها وإيقافها من بعد عثراتها الاقتصادية المتتابعة.. وهلم جرّا!

والذين سجنوا العلماء وقهروا المصلحين وغيبوا الدعاة وراقبوا المساجد ودور القرآن لا يمكن أن يكونوا مقتفين هدي النبي صلى الله عليه وسلم. بل الذين يطالبون المقاومين بالاستسلام والأهالي في غزة بالجلاء (حقنًا للدماء)، ويقفوا مكتوفي الأيدي بل مشاركين في الحصار والقتل والتجويع!

ومن زالت عنه الحُجب، وفهم مقاصد هؤلاء، لا يسعه أن يواصل حسن ظنه بهم، دينًا ووطنية وقومية. عليه أن يصدق نفسه، ويضع كل هؤلاء في صفهم الحقيقي، ولا ينخدع بأسمائهم ولا صلواتهم التليفزيونية في المناسبات، فتلك هي المساحيق الضرورية للعب الدور الخسيس!