الثابت أن حركة «المداخلة»، لم تنشأ حينما شجعت وعملت الأجهزة الأمنية على تأسيس تنظيمهم في السعودية قبل أكثر من ثلاثين سنة، بل هي «فكرة أصيلة» ظهرت على مر العصور والأزمان مع كل نظام أراد تطويع «الدين» لاتخاذه أداة لإخضاع الشعوب وسلب إرادتها!
ويذكر أهل ليبيا كيف أن مشايخ برقة قد أدانوا «إرهاب» عمر المختار، أثناء تمجيدهم واعترافهم بحكم موسوليني، سفاح إيطاليا الذي سفك دماء عشرات آلاف الأبرياء في ليبيا وإثيوبيا وبلاد كثيرة!
كما يذكر المسلمون الهنود فتاوى إدانة الجهاد الذي أعلنه علماء الهند السلفيون الحقيقيون ضد المحتل البريطاني الذي أخضع بلدًا كبيرًا جدًّا بالحديد والنار!
ومن سبق المداخلة، لم يكونوا في عداد المسلمين بالضرورة، فقد كان منهم أمثال قساوسة بلجيكا ومنصريها، الذين خاطبهم أكبر سفاح عرفته إفريقيا، قاتل العشرة مليون نفس في الكونغو الديموقراطية، الملك ليوبولد الثالث، في رسالة شهيرة، أثبتها مؤرخون، ونفاها آخرون، إلا أن سياسة المنصرين بعدها (في عام ١٨٨٣)، لم تخرج عن تعليماتها قيد أنملة!
قال ليوبولد لأشباه «المداخلة» من المنصرين في بلجيكا: “الآباء الأجلاء والمواطنون الأعزاء: إن المهمة الموكلة إلينا هي حساسة للغاية وتتطلب الكثير من اللباقة، ستذهب بالتأكيد للتبشير، لكن تبشيرك يجب أن يلهم قبل كل شيء مصالح بلجيكا، فهدفك الرئيس في مهمتنا في الكونغو ليس تعليم الزنوج معرفة الله، فهذا ما يعرفونه بالفعل؛ دورك الأساسي هو تسهيل مهمة الإداريين والصناعيين، مما يعني أنك ستذهب لتفسير الإنجيل بالطريقة التي ستكون الأفضل لحماية مصالحك في ذلك الجزء من العالم”!
إن الدين المطلوب في الكونغو هو ذاك الذي يخدم مصالح الملك، وكذلك كان التوجيه في مكاتب الأجهزة الأمنية للمشايخ الخانعين، “لا تتحدثوا إلا بخطاب يخدم مصالح «بلاد التوحيد»، أي مصالح النظام، وتوقفوا عن شرح آيات الجهاد، أو مضامين البراء من المشركين، وعدم الائتمار بأمر «السيد» الأمريكي، الذي سيقودكم إلى «مرافئ السلام» (مثلما قال أحدهم عن ترامب)، ودعوا اليوم الحديث عن حفلات المجون، بل شرعنوا للفساد، وائتمروا بينكم بمنكر، وهونوا للناس «الزنا» فهو لا يحملكم أبدًا على الاعتراض على حاكمكم ولو «رأيتموه يزني كل يوم نصف ساعة على شاشات التلفزة، كل يوم!» (مثلما قال أحدهم)”
ومن سبق المداخلة، لم يكونوا في عداد المسلمين بالضرورة، فقد كان منهم أمثال قساوسة بلجيكا ومنصريها، الذين خاطبهم أكبر سفاح عرفته إفريقيا، قاتل العشرة مليون نفس في الكونغو الديموقراطية، الملك ليوبولد الثالث، في رسالة شهيرة، أثبتها مؤرخون، ونفاها آخرون، إلا أن سياسة المنصرين بعدها (في عام ١٨٨٣)، لم تخرج عن تعليماتها قيد أنملة!
إن الدين المسموح به في الكونغو كما في «بلاد التوحيد»، هو الذي يتصالح مع الفقر ويبشر الفقراء بجنات النعيم، جزاء صبرهم على حاكمهم وهو ينفق أموالهم ببذخ هنا وهناك، أو كما قال ليوبولد: “ستسمح لك معرفتك بالإنجيل بالعثور على نصوص تأمر أتباعك وتشجعهم على حب الفقر، مثل أسعد الفقراء لأنهم سيرثون السماء ومن الصعب جدًّا على الأغنياء أن يدخلوا ملكوت الله، قم بتبشير الزنوج حتى يظلوا إلى الأبد خاضعين للمستعمرين البيض، فلا يثورون أبدًا ضد القيود التي يتعرضون لها!”.
وتأتي تغريدات وتعليمات المداخلة وأشباههم من عبدة الكرسي، لتنفذ حرفيًّا، ما قاله ليوبولد الثالث: “قم بتحويل السود دائمًا باستخدام السوط، اجعلهم يدفعون الضريبة كل أسبوع في قداس الأحد. استخدم الأموال المخصصة للفقراء لبناء مراكز أعمال مزدهرة، قم بتأسيس نظام طائفي يسمح لك بأن تكون محققًا جيدًا في إدانة أي أسود لديه وعي مختلف يتعارض مع وعي صانع القرار!”.
اخطبوا فيهم، وانصحوهم: “يا عباد الله كونوا مازوخيين تستعذبون القهر وتكميم الأفواه، وابتلعوا الضريبة والرسوم واحدًا يتلو آخر، كل «قداس»، عُذرًا بل كل «جمعة»، ورددوا أبدًا مثل الأذكار اليومية: اللهم أدم علينا نعمة الحاكم، نعمة الأمن والأمان!”.
“أما من يعترض، فأمامه الحائر وذهبان، غيبوه فيه حتى يطويه النسيان، فلا يكاد يذكره أحد، أو يتحدث عنه شريف، افعلوا، وإلا ظل هؤلاء قدوات ونماذج يحتذى بها، فبالسجون يُنسى الأكارم إذا ما حاصرنا أسماءهم وتراثهم”، وما أشبه هذا بذلك: “علموا الزنوج أن ينسوا أبطالهم وأن يعبدوا أبطالنا فقط!”.
وهل يقرأ الحكام إلا من كتاب ليو…!