يميل بعض قادة العالم الكبار ألا يبرحوا دولهم إلا في زيارات شديدة الأهمية؛ فهكذا يفعل رئيس الصين وغيره، وقد لا تجدهم إلا في منتديات ذات تأثير اقتصادي عالمي، كاجتماع دول السبع الكبرى أو العشرين، وفي المرات الأخيرة، حضر وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان قمة العشرين، بينما أصر ولي العهد السعودي على حضور ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية، الذي كان من المقرر إقامته في الرياض، قبل نقله إلى باريس بسبب مخاوف أمنية على خلفية الصراع في الشرق الأوسط.
وبقيمة إجمالية بلغت حوالي ٣٠٠ مليون ريال سعودي، وزّع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، والرئيس الفرنسي ماكرون، جوائز الكأس الذي تتبناه السعودية وتنفق عليه، ظنًّا من حكومتها أنها ستوفر ٣٩ ألف فرصة عمل للشباب العاطل في السعودية، وتوطن هذه الرياضة في السعودية، وأنها ستصبح مركزًا عالميًّا للرياضات الإلكترونية! وأنها بهذا الإنفاق الباهظ الثمن، والذي قارب حتى الآن مليار دولار، منذ أن اختمرت الفكرة في عقل ولي االعهد السعودي قبل ثلاث سنوات، ستنوع من اقتصادها المعتمد بالأساس على النفط!
ومنذ أن سارت الحكومة السعودية في خطواتها لتنفيذ هذا الحلم، لم تتجه لبناء مشاريع استراتيجية عملاقة لبناء اقتصاد حقيقي لا يقوم على الترف والشكليات والمشاريع التي يمكنها أن تقوم عليها دولة مستقلة راسخة لا تعتمد على الغير في أبسط مقومات الحياة، من غذاء وصناعة استراتيجية توفر فرص عمل حقيقية وتوقف نزيف الاستيراد والاعتماد على دول العالم في الغذاء والكساء والدواء والسلاح والصناعات الثقيلة وسلاسل التوريد والإمداد المتنوعة.
ومعظم مشاريع هذا «التنوع» الذي استهدفته السعودية لتحقيق «رؤية ٢٠٣٠»، لم يكن سوى مشاريع منتزهات، وغابات أسمنتية، وشراء أندية ولاعبين، واستضافة راقصات ومغنيات، والانخراط في الاستثمار في الذكاء الصناعي والألعاب الإلكترونية، وغيرها من المشاريع التي لا تبني دولًا، بل تحصد خسائر هائلة عند فشلها، وهو الغالب، أو تحقق أرباحًا قليلة حين تنجح، لكنها لا تمثل مشاريع ثابتة وفاعلة وتنموية للبلاد، كمثل هذه التي دشنها ولي العهد والرئيس الفرنسي في باريس، لإنشاء ثلاثة متنزهات ترفيهية بالقرب من باريس، في إطار اتفاق أُبرم مع السعودية بقيمة ٦ مليارات يورو. والتي يُعتزم أن تضم متنزهًا مستوحى من عالم المانغا اليابانية، وبشكل خاص سلسلة «دراغون بول زد» الشهيرة، هذا الذي يهواه ماكرون، حين وصف المشروع بأنه الأكبر من نوعه منذ إنشاء «ديزني لاند باريس»، معللًا: “أنتم تعرفون شغفي بالمانغا”.
شغف ماكرون ستحققه السعودية عن طيب خاطر، وعبر شركة القِدِّيَّة للاستثمار، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، التي ستتولى إقامة المشروع، والتي كانت قد أعلنت في عام ٢٠٢٤ خططًا لإنشاء متنزه ترفيهي مستوحى من سلسلة «دراغون بول» بالقرب من العاصمة السعودية الرياض. وفي ظل بطالة تزداد شراسة في السعودية بلغت بها قلوب الخريجين الحناجر؛ فإن ماكرون يبشر الفرنسيين بأن مشروع المنتزهات سيوفر ألفي فرصة عمل للفرنسيين.
وفي أول عهد ترامب، عندما تعهدت السعودية بضخ نحو تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي في شكل استثمارات، بعضها كان يتعلق بقطاعات استراتيجية كالمشروع النووي والتسليح، وبعضها يتعلق بالخدمات الإلكترونية ونحوها، وتعثرت الأولى ومضت الثانية كما هو متوقع في مسارها، وقف ترامب مزهوًّا بتحقيقه تلك الصفقات الضخمة، و«خلق آلاف من فرص العمل للأمريكيين»، إذ بقي هذا هو إنجاز ترامب الوحيد خلال فترة حكمه الثانية، والوحيدة التي لم تصبها سهام النقد من الديمقراطيين، لأنها محض «غنيمة باردة» لا يمكن أن يرفضها عاقل! فالصفقات العملاقة بدلًا من أن توفر فرصًا لمئات الآلاف من الشباب السعودي المجتهد في تعليمه، وفرتها للأمريكيين والفرنسيين، فكيف لا تطير بها واشنطن وباريس، حكومة ومعارضة؟!
والشباب الغاضب، الرازح تحت وطأة البطالة التي تزداد كل سنة شراسة عما سبقتها، لا ينصب جام غضبه على البطالة وحدها، بل على سياسة الدولة برمتها، التي تحل الترفيه مكان الجد، فالجميع ينظر بقلق شديد للغد في ظل حصار إيراني على السعودية من كل الجوانب، وناقلات النفطية يصطادها الحوثي كَرَامٍ محترف، وطبول الحرب قد تدق في أي لحظة، مهددة مياه الشرب نفسها فضلًا عن الكهرباء والنفط، وبعض الأهالي يفكرون في تأمين حياة أولادهم خارج السعودية، بل إن كأس العالم للرياضات الإلكترونية نفسه قد غادر مقره التأسيسي في السعودية ليحتمي بباريس، ومع ذلك؛ فالحكومة السعودية فضت تفكيرها من كل هذا، واهتمت بإنفاق مئات الملايين في باريس من أجل عيون لاعبي الرياضات الإلكترونية عديمة الفائدة. ما هذا السخف؟!