حكام المسلمين والسمات المفقودة

من ينظر في النصوص الشرعية وفيما كتبه أهل العلم في أحكام السياسة الشرعية، يجد أن شخصية الحاكم تتميز بسمات وخصائص مفروضة، ونورد هنا أبرز سمات الحاكم الذي هو رأس الدولة، والتي تقررها النصوص الشرعية ويذكرها العلماء، ونقارن بالواقع! ومن وأهم تلك السمات:

أولاً: خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تعد الخلافة في أصلها نيابة عن صاحب الشرع في إدارة شؤون الأمة؛ ولهذا استقر المصطلح عند الفقهاء على إطلاق لفظ الخليفة بهذا الاعتبار.

قال الماوردي وأبو يعلى الفراء: “يجوز أن يُسمّى خليفةً لمن عُقد له الأمر، ويُسمّى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته” [الأحكام السلطانية للماوردي ص39، ولأبي يعلى ص27]. فتأمل بعد هل يكون خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من يخالف أمره وشريعته في السياسة والحكم؟ على نطاق الداخل وما يقيم فيه من الفعاليات والمناشط، وما يجريه فيه من أمور الاقتصاد والمعايش، وما يحكم به من مقتضى الشرع ويفرضه في البلاد، وما يبسطه من العدل ويرفعه من المظالم، ثم ما يقوم به على نطاق السياسة الخارجية مما يقدر عليه من إقامة الجهاد أو نصر أهله وقضاياهم ومن الدعوة إلى الدين الحق والبذل فيها، ومن يواليهم ويقربهم ويبذل لهم من الدول، ومن يبعدهم ويعاديهم أو لا يعبأ بهم.

تأمل حال من يحكم في ذلك وقسه تعلم هل هو خليفة رسول الله حقًّا أو خليفة قوم آخرين، وضعوه ثم انصرفوا بعتادهم عن بلدان المسلمين!

ثانياً: حفظ الدين وسياسة الدنيا.

إن الوظيفة الأساسية للإمامة تقوم على: حراسة الثوابت الدينية، وإدارة المصالح الدنيوية وفق أحكام الشرع، قال علماؤنا: “الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا” [الماوردي في الأحكام السلطانية ص15]، وقال الجويني: “الإمامة رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا. مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين” [غياث الأمم ص22]، وقال ابن عبد البر: “أجمع المسلمون على الاستخلاف فيمن يقيم لهم أمر دينهم ودنياهم” [الاستذكار 1/285]، وقال القرطبي: “الإمام إنما نُصب لدفع العدو، وحماية البيضة، وسد الخلل، واستخراج الحقوق، وإقامة الحدود، وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها” [تفسير القرطبي 1/271]، وقال النووي: “لا بد للأمة من إمام يقيم الدين، وينصر السنة، وينتصف للمظلومين، ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها” [روضة الطالبين 10/42]. وهذه الوظيفة اليوم غاية ما يتمناه الناس في بعض البلاد أن يؤذن لهم بإقامة ما يمكنهم منها، والجيد من الولاة من يتيح للدعاة الدعوة، ويأذن لهم في مدافعة الباطل وأهله، ويرفع عنهم الحيف والظلم.. وقد يعذر عاجز لا يعمل بالواجب، ويأذن للقادرين في العمل، لكن لا يعذر قادر لا يعمل، وعنده من يساعد على العمل، بل يتسلط على من يعمل للدين من هؤلاء فيسجن ويؤذي.

ثالثًا: العلم والعمل.

اشترط العلماء في الإمام أن يبلغ رتبة علمية عالية تمكنه من فهم الأحكام، بالإضافة إلى العدالة والصلاح، ومجانبة الفسق والظلم. ومن ذلك قولهم: “شرطٌ أن يكون الإمام مجتهدًا بالغًا مبلغ المجتهدين، مستجمعًا صفات المفتين، ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف” [غياث الأمم ص94]، وقال الشاطبي: “العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع” [الاعتصام 3/31]. ومن تأمل واقع أكثر بلدان المسلمين اليوم وجد جُهالاً تصدروا، وأقبح من صنيع الجاهل صنيع العالم الذي اعتزل الأمر وادعى أن الجاهل أعلم، وأمر باتباعه على جهله، وتقحمه الأمور دون بصيرة.

أما من حيث السلوك والعمل، فقد اختلفوا في حكم الفاسق، فرأى الجويني وجمع أن من لم يكن ذا كفاية أو كان فاسقًا لم يجز نصبه، ولو نُصب لم يكن لنصبه حكم. وذكر أنه إذا تواصل عصيان الحاكم وفشا عدوانه، وتعطلت الحقوق والحدود، وعجزت الأمة عن كف يده لامتلاكه الشوكة والعدد، فإن الزمان حينئذٍ يعد شاغراً عن القيام بالحق [غياث الأمم ص217، ص107]، ومن صحح ولايته جعلها على التحقيق اضطرارية، يطاع بالغيب فيما هو طاعة لله تعالى أو مصلحة راجحة. وأما من جعل مذهب السلف طاعة الفاسق على علاته وأطلق ذلك، فقد تجاوز، وأقبح منه من استطال فوصف النصحة والمصلحين والداعين إلى ترك طاعة مثله في غير الطاعة بالحرورية! فقد بلغ منه الجهل أن يرمي بهذا الوصف كثير من أهل العلم والفضل، منهم من هو على شاكلة الجويني فعندهم هو خارجي مرجئ! انتكس رأيه فبدلا من أن يوالي الأقرب ويدعو للمصلح، والى الأبعد ودعا له، وعادى الأقرب ودعا عليه!

فتأمل بعد هل يكون خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من يخالف أمره وشريعته في السياسة والحكم؟ على نطاق الداخل وما يقيم فيه من الفعاليات والمناشط، وما يجريه فيه من أمور الاقتصاد والمعايش، وما يحكم به من مقتضى الشرع ويفرضه في البلاد، وما يبسطه من العدل ويرفعه من المظالم، ثم ما يقوم به على نطاق السياسة الخارجية مما يقدر عليه من إقامة الجهاد أو نصر أهله وقضاياهم ومن الدعوة إلى الدين الحق والبذل فيها، ومن يواليهم ويقربهم ويبذل لهم من الدول، ومن يبعدهم ويعاديهم أو لا يعبأ بهم.

رابعاً: الولاية العامة على جميع المسلمين.

الأصل في دين الله هو وحدة الأمة تحت راية واحدة، وقد حظر جمهور العلماء تعدد الأئمة في وقت واحد إلا عند الضرورات القصوى المتمثلة في تباعد الأقطار، ونصوا على ذلك، فمن ذلك قول الجويني: “الإمام هو الواحد الذي به ارتباط المسلمين أجمعين” [غياث الأمم ص145]، وقال ابن كثير: “نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام: «من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائناً من كان» [صحيح مسلم 1852]. وهذا قول الجمهور، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد” [تفسير ابن كثير 1/222]. غير أن ابن كثير ذكر استثناءً نقله إمام الحرمين عن أبي إسحاق الإسفراييني يجوز فيه نصب إمامين عند تباعد الأقطار واتساع الأقاليم، ومثّل له بحال العباسيين في العراق، والفاطميين في مصر، والأمويين في الأندلس.

وقد أيّد هذا القرطبي مستدلاً بحديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم الذي يأمر بطاعة الإمام الأول وقتال من ينازعه، مؤكداً أن الأصل هو منع إقامة إمامين لِما يؤدي إليه ذلك من الفتن والشقاق، مستدركاً: “لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك” [تفسير القرطبي 1/273]. وفي المقابل، قال آخرون كالماوردي وابن حزم بالمنع المطلق، حيث يرى ابن حزم أن تجويز إمامين يفتح الباب لتجويز ثلاثة وأربعة بلا برهان [الأحكام السلطانية للماوردي ص37، الفصل لابن حزم 4/73]. والواقع في أقطار المسلمين اليوم خلاف ذلك، وهو خلاف الواجب، لكن ليس كل ترك واجب مبطل لجميع أحكام الولاية، بل لا يحمل تبعة ترك ذلك الواجب رئيس بعينه، وإنما يحمله تبعته من رضي به وأقره وركن إليه، من حاكم أو محكوم، وهم كثير اليوم، ينشأ الطلاب عليه تحت مسميات مواد جميلة لغمت بأشياء كمادة التربية الوطنية.

خامساً: الاختيار والرضا.

الأصل في انعقاد الإمامة الشرعية هو اختيار الأمة ورضاها، وتفويضها الحاكمَ عبر البيعة،  فمن ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين كما قال البربهاري [شرح السنة ص56]، وقال الماوردي: “ذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أن إمامته لا تنعقد إلا بالرضا والاختيار” [الأحكام السلطانية ص28].

أما ما ذكره الفقهاء من نفوذ أحكام “الإمام المتغلب” الذي يأخذ السلطة بالقوة، فقد بيّن العلماء أنه حكم ضرورة لحفظ دماء المسلمين ومصالحهم، وليس شرعًا أصيلاً، فلا يرغب فيه بل يرغب عنه. ويشرح ابن الوزير هذا التمايز بقوله إن الفقهاء أطلقوا القول بانعقاد إمامة المتغلب للضرورة لتنفيذ الأحكام العامة، لا لأنه إمام على الحقيقة، ويدل على ذلك: اشتراطهم العدالة في الإمام أصلاً، وتحريمهم الرضا بالجائر واختياره، وعدم اعتبارهم الخارج على الجائر باغيًا في بعض الحالات [العواصم والقواصم 8/170].

والمقصود هو أن المتأمل في هذه السمات العامة يدرك بوضوح أنها غائبة بمجموعها عن واقعنا المعاصر؛ بل لعله لا يوجد أحد من حكام الزمان يدعيها لنفسه. ومنذ سقوط الخلافة تعيش الأمة في نازلة سياسية كبرى. من أهم ما ينبغي أن يقرر فيه أن ولاية جل الحكام اضطرارية، والنظر في تثبيت أحكامها اجتهادي، وأن طاعة الحاكم تبع لطاعة الله، واجبة في حدود المعروف بحكم الشرع لا فيما عداه.. ويجب أن نتذكر أن جوهر منصب الإمامة أو “الخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها… فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به” [مقدمة ابن خلدون 1/255].

أما الذين يريدون أن يلزموا الناس بطاعة الحكام مطلقًا، على عجرهم وبجرهم وانتفاء أمور مطلوبة للإمامة عنهم، فيوجبون طاعتهم فيما لم يظهر وجهه الشرعي، بل فيما يخالف مقررات الشريعة، فهم مخالفون للشرع مثلهم، مخالفون لمقررات العلماء، متناقضون يظهر تناقضهم متى تنازع هؤلاء الذين يعدونهم أئمة أو اختلفوا.