سيسمعون كلامًا أقسى من هذا في قادم الأيام، ولربما ردف القول التنفيذ من بعد عبارات التهديد، وكلما زاد التهديد، زاد الخنوع وارتفعت قيمة الجزية التي يدفعها حكام الخليج عن يد وهم صاغرون.
وسيتفرد هؤلاء الحكام، وفي مقدمتهم حكام السعودية بهذه المذلة عبر التاريخ كله، فلم تشهد صفحاته يومًا من يدفع الجزية للطالب والمطلوب، والمنتصر والمنهزم، سيكون لهم وحدهم هذا السبق، سبق المهانة عبر القرون.
ولن تنفعهم سياسة الهروب إلي الأمام، فالحقيقة أصبحت عارية تمامًا، والصورة أبدًا لم تكن بهذا الوضوح الذي هي تظهر فيه الآن، وحلقات الابتزاز لن تنتهي.
ستسمع السعودية حديثًا عن الفيدرالية، وعن حقوق شيعتها «الضائعة»، وعن ضرورة تشكيل حكومتها بما يراعي «حقوق الأقليات»، وعن ضرورة السماح بمزيد من الحسينيات، وربما تساءلت أبواق إيران: لماذا لا تذيع قنوات السعودية للقرآن والحديث صورًا من الحسينيات؟ ولماذا لا تنقل فعاليات يوم كربلاء مثلما تفعل في الحج وقيام رمضان؟!
وكملوك الطوائف في الأندلس، قد يبذلون المال للعدو ثم لا يحصِّلون الأمن في مقابله، فطريق الذل واحد، ومن لا يتعظ بالتاريخ وسِير الأمم الغابرة، لابد يومًا سالكه، وكأس المهانة لا يروي صاحبه حتى تبلغ به الهزيمة منتهاها.
وما أقسى ما قاله مستشار المرشد الإيراني للشؤون السياسية علي أكبر ولايتي، لو كان القادة يفهمون ويتعظون، لكن عقولهم لا يصل سقف تفكيرها إلا عند حدود دفع الأموال تلو الأموال لـ«الكبار»، فتارة لأمريكا، وتارة لإيران!
قال ولايتي في منشور له: إن الغرب “لم يحقق للمنطقة سوى الهمجية ونهب الثروات”، ولقد صدق في ذلك، ثم يضيف: “إن استقرار العرب في منطقة الخليج يعود إلى إدارة إيران التي دامت قرنًا من الزمن لمضيق هرمز.” وهو كاذب فيما زعم.
يعلم ولايتي إن طائرات المليارات المحملة التي وعد بها ترامب الإيرانيين لن تقلع إلا من عواصم الخليج، وفي مقدمتها الرياض، ولن تُشحن إلا من بنوكها المركزية، لكنه مع ذلك يزيد من جرعة الإهانة، فيدعو “المراهقين السياسيين في المنطقة إلى عدم تعليق آمالهم على البيانات المنمقة”، ويهددهم بكل فجاجة وصلف: “على المهمشين والمراهقين السياسيين في المنطقة أن يدركوا أن حياتهم لا تشكل سوى فتات من هذه الوليمة”!
ويكشر لهم عن أنيابه، وهو مدرك عجزهم وقلة حيلتهم: “في إعادة ترتيب المعادلات الكبرى، لا مكان للصغار المتربعين على أطراف الطاولة، إنهم سيُحذفون، وحياتهم الاستراتيجية مرهونة بسقف تحمل طهران”.
وكملوك الطوائف في الأندلس، قد يبذلون المال للعدو ثم لا يحصِّلون الأمن في مقابله، فطريق الذل واحد، ومن لا يتعظ بالتاريخ وسِير الأمم الغابرة، لابد يومًا سالكه، وكأس المهانة لا يروي صاحبه حتى تبلغ به الهزيمة منتهاها.
يكرر ولايتي المقولة السياسية الانجليزية الشهيرة: “إذا لم يكن لك مقعد على الطاولة؛ فأنت على قائمة الطعام”، والخطر ليس في أن ولايتي يطلق الكلام جزافًا أو أنه قد أسرته سكرة الانتصار أو الصفقة التي خرجت فيها إيران محققة مكاسب لم تكن تحلم بها بعد حرب قصيرة ضغطت فيها على يدي الولايات المتحدة الأمريكية، مصالحها في الخليج، وأمن «إسرائيل»، بل الخطر في أن ولايتي يعني ما يقول جيدًا، فمشروع إيران غير خافٍ على أحد، ولَكم رددته أبواق الرياض المختلفة، الدينية والعلمانية، وكثيرًا من نبّه إليه المخلصون من ظنوهم في سالف الأزمان «صناع القرار» قبل أن يبصروا بأم أعينهم بأن الجالسين على كراسي الحكم في الخليج ليسوا أكثر من «منفذي القرار» لا صُنَّاعه!
ولو كان للجالسين على العروش مستشارون حقيقيون مخلصون يدركون مغبات الأمور، ويقرؤون ما يفيض به التاريخ بيانًا ووضوحًا لقرعوا لهم أجراس الخطر، ونصحوهم بسياسات غير التي ينتهجون، ولو كان أصحاب العروش يسمعون أو يعقلون لاختاروا لأنفسهم مصيرًا غير مصير المستعصم الذي لفّه هولاكو في إحدى «سجادات» قصره، لتطأه الخيول بسنابكها حتى الموت رفسًا ومذلة، ولبحثوا لأنفسهم عن حلول غير اختيار أي السجادات سماكة ونعومة!
لا يرى سكان القصور في الخليج إلا الولايات المتحدة الأمريكية ملاذًا وحامية، ومهما أبدت واشنطن من قلة اكتراث بمصائرهم إلا أنهم سيدورون ويدورون ثم يؤوبون إليها كفراشة تبحث عن عشقها الأبدي في النار المحرقة، سيزيدون من الدفع هنا والدفع هناك حتى تأتي ساعة «السجادة»!