«نبوءة»، هي عنوان القصيدة الموجزة التي أنشدها الشاعر الساخر أحمد مطر، قبل عشرات السنين، مُعرِّضًا بالسادات، قائلًا: “كل ما في الأمر أن العبد صلى مفردًا بالأمس في القدس، ولكن الجماعة سيصلون جماعة.”
حين تقرأ للذباب الإلكتروني (الناطق شبه الرسمي باسم القصور الملكية والرئاسية في دول لم تُعد تُعر شعوبها أي اهتمام، وهي تتحرك بهم إلى مصائرهم المظلمة)، تشعر أن أحمد مطر الساخر لم يكن سوى خبير استراتيجي يستشرف المستقبل بكل جدية وبصيرة، فما توقعه قد حصل، واصطف الجميع لا ليصلوا في الأقصى كما فعل السادات على هامش زيارته المشؤومة لفلسطين وخطابه في الكنيست مدشنًا سفينة التطبيع، وإنما ليصفوا بل ليتباروا في نيل رضا أشقياء «إسرائيل» عبر أدواتها الأمريكية.
قرأنا لمشاهير الذباب الإلكتروني، كلٌ يحاول أن يُجيّر السيناتور الجمهوري ليندنسي جراهام باتجاه حاكمه: “إنه يقول إن الإمارات هي صاحبة الرؤية الصحيحة للمنطقة، وعلى الجميع أن يحذو حذوها في «بناء دولة منفتحة»”، “لا إنه يقول إن السعودية هي مفتاح التغيير في الشرق الأوسط”!
يبشرهم السيناتور الصهيوني المتعصب بأنهم هكذا سيكونون مفيدين لولاية كارولينا الجنوبية… وللولايات المتحدة الأمريكية والعالم كله، والذباب يكاد يطير فرحًا بتلك الإشادة من هذا السيناتور المجرم مصاص الدماء، فلا يألون بذلك جهدًا في تقزيم بلادهم والتأكيد على أنها قد صارت تابعة لواشنطن، غاية مناها في هذه الدنيا أن يرضى عنها مجرد سيناتور أمريكي، وهم في خضم تنافسهم لمن ينال من ليندنسي جراهام كلمة إشادة بحاكمه!
استبق السيناتور الأمريكي زيارته للإمارات ثم السعودية بتصريح عنَّف فيه السعودية لتخاصمها مع الإمارات التي أشاد بأنها تنفذ لـ«إسرائيل» أكثر مما يُطلب منها، بِنَص قوله، ثم كتب تغريدتين تزامنًا مع زيارته للدولتين، مشيدًا في الأولى بالإمارات، واصفًا إياها بالدولة المنفتحة التي تحمل النور، ومن يخالفها بِقِلة من الظلاميين، مشيدًا بتبنيها الإبراهامية، داعيًا السعودية إلى أن تحذو حذو أبوظبي. لماذا؟ لأن “هذا النموذج هو أفضل فرصة للمنطقة منذ مئات السنين” (لم يرغب ليندنسي جراهام في أن يبوح بها صراحة ليقول أنها أكبر فرصة لنا منذ مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، أن نميّع دين هؤلاء بل نخرجهم من دينهم باسم الإبراهيمية، أو في المرحلة الأولى نكتفي بأن نُسلم خراف الخليج للذئب الراعي «إسرائيل»!).
قرأنا لمشاهير الذباب الإلكتروني، كلٌ يحاول أن يُجيّر السيناتور الجمهوري ليندنسي جراهام باتجاه حاكمه: “إنه يقول إن الإمارات هي صاحبة الرؤية الصحيحة للمنطقة، وعلى الجميع أن يحذو حذوها في «بناء دولة منفتحة»”، “لا إنه يقول إن السعودية هي مفتاح التغيير في الشرق الأوسط”!
لم يرض السيناتور الأمريكي حين أشاد بالسعودية، من حكامها بغير العودة إلى رؤية ٢٠٣٠ في نسختها القديمة، التي جاء إلى المنطقة مبعوثًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خصوصًا من أجل منع أي تعديل يطرأ عليها بعد أن حاولت الرياض إجراء تعديل عليها برفض الرؤية الإماراتية الصهيونية الكاملة لليمن، خشية على الكرسي أو تنافسًا في قيادة الخليج، وما يتوالى من تنازع الإرادات السعودية الإماراتية في كل من السودان وليبيا ومصر.
بل الأخطر من ذلك، هو ما توعد به السعودية من دون أن يسميها إن هي أرادت أن تشب عن الطوق، وتفكر في الانضمام إلى “الحلف الذي يتشكل في المنطقة ضد هذه الإرادة (الأمريكية)، ونحن له بالمرصاد، فأفعالهم رخيصة، ولا تغيب عني ولا غيري، لأنها ستلحق أكبر ضرر بهذه الفرصة (تسيد الصهيونية تحت لافتة الإبراهيمية)”، هكذا هدد الأمريكي المتعجرف.
جزئيًا، أو ربما كليًّا، قد خضعت الرياض بعد استقبالها لرئيس هيئة معاداة السامية الأمريكي، ثم الصهيوني جراهام، الذي ظهر غير بعيد من الزيارة الأخيرة للسعودية ليقول ضمنًا في حديث لقناة عربية: إنه يقبل بما فعلته تل أبيب من إبادة جماعية في غزة، أسوة بما فعلته بلاده في اليابان من تدمير المدن بالقنابل النووية! مسوِّغا بما فحواه أن «الغاية تبرر الوسيلة»! خضعت السعودية للعودة إلى النسخة المقبولة من ٢٠٣٠ التي تقتضي الهرولة للتطبيع، والإسهام في تدمير الجيران العرب، وتقسيم الدول، ودعم الإنفصاليين، والتغريب، ومكافحة الدعوة الإسلامية ورموزها.
مصاص الدماء هذا، هذا الصهيوني الملطخة يده بدماء الأهل في غزة هو من يتنافس الذباب الإلكتروني لبلاد كانت أوروبا وقلب روسيا والصين ترتعب من ذكر بطولات أجدادها الفاتحين، فأي مذلة، وضعتنا تلك النظم الخنوعة المتواطئة فيها، أن يكون غاية منى أبواقها الزاعقة أن تحوز المركز الأول في صفوف الراكعين تحت قدم سيناتور أمريكي؟!